5 -وصية أمانة بنت الحارث لابنتها [1]
كان ملك من ملوك اليمن يقال له الحارث بن عمرو الكندي، بلغه عن ابنه لعوف الكندي جمال وكمال، وهو الذي يقال له: لا أحد يشبه عوفًا جمالًا وكمالًا، فبعث إلى امرأة من قومها، يقال لها عصام، فقال: إنه بلغني عن بنت عوف جمال وكمال، فاذهبي، فاعلمي لي علمها.
فانطلقت حتى إذا دخلت على أمها، وهي أمانة بنت الحارث، فأخبرتها خبر ما جاءت له، وإذا أمها كأنها خاذل [2] من الظباء، وحولها بنات لها كأنهن شوادن [3] الغزلان فأرسلت إلى ابنتها، فقالت: يا بنية، إن هذه خالتك أتتكِ لتنظر إلى بعض شأنك فأخرجي إليها، ولا تستترى عنها بشيء، وناطقيها فيما استنطقتك فيه فدخلت عليها، ثم خرجت من عندها وهي تقول:
«ترك الخداع من كشف القناع» . فأرسلتها مثلا. فلما جاءت إلى الحارث قال: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أيها الملك: صرَّح المخض عن الزبد. فأرسلتها مثلا.
ثم قالت: أقول حقًا، وأخبرك صدقًا؛ ثم وصفتها وصفًا دقيقًا مفصلًا كأجمل الفتيات حسنًا.
فبعث الحارث إلى أبيها يخطبها فزوجها إياه.
فلما حان أن تحمل إلى بيت زوجها أوصتها أمها فقالت:
(أي بنية، إن الوصية لو تركت لعقل وأدب، أو مكرمة في حسب لتركت ذلك منك، ولزويته عنك، ولكن الوصية تذكرة للعاقل، ومنبه للغافل. أي بنية؛ إنه لو استغنت المرأة بغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها لكنتِ أغنى الناس عن الزوج، ولكن للرجال خُلق النساء، كما لهن خلق الرجال.
أي بنية، إنك قد فارقت الحِواء الذي منه خرجت، والوكر الذي منه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك ملكًا، فكوني له أمة يكن لك عبدًا، واحفظي عني خلالًا عشرا، تكن لك دركًا وذكرًا، فأما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة فإن في القناعة راحة القلب وحسن السمع والطاعة رأفة الرب.
وأما الثالثة والرابعة: فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم أنفه منك إلا طيب الريح. واعلمي، أي بنية، أن الماء أطيب الطيب المفقود، وأن الكحل أحسن الحسن الموجود.
وأما الخامسة والسادسة: فالتعهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النومة مغضبة.
وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ بماله، والرعاية على حشمه [4] وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال من حسن التقدير، والرعاية
(1) "المعمرون والوصايا".
(2) الخاذل: الظبية أقامت على ولدها.
(3) المستغنية عن أمهاتها.
(4) ذوي القربى.