الصفحة 10 من 37

ثم حل بها الأجل فلحقت بأبي بعد عشر سنين، فتصدع شرخ شبابي وهو يومئذ على أشده، وتضعضعت أركان حياتي وهي بالغة قوتها، ووهب الله لي البنين والبنات فلم ألمس فيهم لذة الأبوين ومحبتهما، لأني كنت أسعد بشقاء والدي، ويسعد اليوم أولادي بشقائي، وأستريح بتعبهما ويستريحون بتعبي، وكانا يبكيان لألمي، وأبكي اليوم لألمهم، فشتان بين تجارتين.

لقد كنت بارًا بهما في حياتهما، أوثرهما على نفسي، وأعمل ما يرضيهما، وأقبل أيديهما صباحًا ومساء [1] احترامًا لهما، وأتمرغ على أقدامها اعترافًا بفضلهما. ولا والله ما وجدت ألين من أقدامهما إذا التصق بها خداي، ولا أزكى من ريحها حين تلثمها شفتاي، ولا أعز من نفسي حين أذلها لهما [2] . ولست أدعي أني كنت أبر الأبناء، ولكني بحمد الله كسبت رضاهما، وادخرته في صحيفتي لمآلي، ولمست آثاره في حياتي وأعمالي.

أما بعد موتهما فلا أنساهما يومًا من صدقة، ولا من الدعاء في كل صلاة، وأحب من كان يحبان، وأصل أهل ودهما.

(1) قال ابن الوردي:

أنا لا أختار تقبيل يد ... قطعها أجمل من تلك القُبَل

ولعله اراد بذلك غير الوالدين والله أعلم.

(2) لا ينبغى الخضوع والذل إلا لله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت