فاخترت مجموعة من الألفاظ وحللت بعضًامنها. كذلك الآيات 22ـ 39.من سورة الإسراء لما رأيت أنَّ مما خُتمَتْ به قوله تعالى: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} وقع في نفسي أن أبحث فيها. فوقفت وقفة عن أثر التوحيد ,وأخرى إعرابية وثالثة لغوية. ولكني رأيت أنَّ عملي هذا هوأقرب إلى الإعذارفكأني أريد أن أتخلص به من هم عملٍ أنيط بي وأنا أقوم به مكرهًالأقول بعد الفراغ: هاقد فعلت فلم أجد حين تناوله لذة البحث. فتوقفت, إلا أنَّ البواعث والمثيرات لم تزل تتوارد على ذهني, ولكني كلما صوبت سهمي إلى ناحية من نواحيه وجدت أنَّ النصال فيها تكسرت على النصال؛ فمن الضاربين فيها من هوسابق بالخيرات بإذن الله فنال الفضل الكبير, و منهم من اغترف غرفة بيده ومنهم من لم يظفر إلا بالوشَل. وكلُ هؤلاء لم ينل مِخْيَطُهم من هذا البحر إلا طرفًا من درره.
بقيت أجول في نظري إلى تلك المرامي لعلي أظفربموضع ٍ لسهمي. لأُدخِل من خَصَصِه قلمي فكان ما بين يديك. فاللهم سددني وكلني إليك.
بعد هذا أقول: إنَّ هذالم يأتِ من بادي الرأي أي من غير نظرولا تفكير, ولم يأتِ من سانحة سنحت في الفكرفاهتبلتها وإنما سبق هذا البحث إقدامٌ وإحجام وإبداءٌ وإعادة وتقديم رجلٍ وتأخير أخرى وصلاةُ استخارة. وماهذا إلا احتياطٌ لهذه المسألة؛ وإجلالٌ لعلمائنا عليهم جميعًا رحمة الله وهيبةٌ من قولٍ على الله. فليس الباعث حماسة وغيرة بلا انضباط أوبلادليل علمي وإنما هومن وقوفٍ على أمثلة كثيرة لآيات وردالتعبيرعنها بمصطلح الزيادة, وهو كذلك من تحليلٍ وضحَّتُ فيه مابان لي من جوانب التأكيد.
والدراسات التي وقفت عليها حول هذا الموضوع تناولته من جوانب عدة, لكني لم اطلع على دراسةٍ جعلت غايتها الدعوة إلى هجر القول بزيادة هذه الحروف ,والاقتصاربالقول على أنها حروفٌ مؤكِّدة وهذه الدعوة جاءت عرضاو في ثنايا بعض الدراسات التي أشرت إليها في مواضعها.
بقيت صورة البحث تعاودني سنوات ليست باليسيرة, وبدأ يرتسم شيء من معالمها في ذهني وكان من أكثر مايعرض لي قبل البدأ خاطرٌ يثني عزيمتي ويوهن همتي فيورد ذاك الخاطرُسؤالًا يقول: هل أنت أكثرُمن هؤلاء العلماء ورعًا؟ هل أنت أشدُ منهم غيرةً على كتاب الله؟ فليسعك ماوسعهم. بقيت مدة أحاول مدافعته فيغلبني تارة وينكص أخرى.
استعنت بمنزل الكتاب وبدأت اكتب في هذا البحث يوم الخميس التاسع من شهر جمادى الآخرة من عام اثنين وثلاثين وأربعمائة وألف ولكنها بداية من غير انطلاق بل هي إلى الريَّث أقرب, وماأنا في هذه الحال إلا كماقال الأعشى عن مِشية هريرة: تَمشي الهُوَينا كَما يَمشي الوَجي