فهذا تعظيم من هؤلاء الصحابة والتابعين للحرم المكي الشريف حيث احترسوا من الإقامة فيه خشية أن يكتب في صحائفهم مخالفات وهم فيه , لما يعلمون من نكارة الذنوب فيه وضخامة عقوبة مرتكبيها , على الرغم من علمهم بمضاعفة الحسنات فيه إلى مائة ألف , ولكن لشدة خشيتهم فإنهم يؤمنون بأن اجتناب السيئات مقدم على اجتلاب الحسنات .
هذا وإن من قداسة الحرم أن الإنسان يؤاخذ فيه على مجرد نية المعصية , بينما لا يؤاخذ في غيره على المعصية إلا إذا فعلها , أما في الحرم فإن الإنسان يؤاخذ على إرادة المعصية لقول الله تعالى چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ [ الحج: 25] .
ومما يدل على أن الإنسان مؤاخذ على إرادة المعصية في الحرم ماجاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظُلم وهو بعدن أبين ( يعني في اليمن ) لأذاقه الله من العذاب الأليم .
قال الحافظ بن كثير: صحيح على شرط البخاري , وروي مرفوعا ووقفه أشبه (1) .
وبهذا المعنى قال أهل العلم , وعلى ذلك تكون الآية مخصصة لعموم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه عز وجل « وإذا همَّ بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه» (2) , ويحتمل أن يكون المراد بالإرادة في الآية العزمَ المصمَّمَ عليه فلا يكون ذلك تخصيصا , وذلك كعزم أصحاب الفيل , وكما جاء في حديث « إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار , قالوا: يارسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول ؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه (3) ولكن المعنى الأول هو الموافق لظاهر الآية .
(1) ... ... تفسير ابن كثير 3/226 .
(2) ... ... صحيح مسلم رقم 204 /128 .
(3) ... أضواء البيان 5/60 .