الصفحة 24 من 68

هذه هي العلوم الشرعية التي يمثل كل منها تخصصًا مستقلًا محدد المعالم ولكنها رغم ذلك ذات تلازم لأن الشريعة التي قامت لخدمتها لا تتجزأ ، وعليه فلابد للمتخصص في أي علم منها أن يركن تخصصه على معرفةٍ كلية بهذه العلوم ، ولكن هذه المعرفة الكلية للمتخصص في أي واحد منها لا تغني عن الحاجة إلى متخصص بالدراسة الكلية إستقلالًا (1) ، لأن المتخصص الجزئي سيعود إلى تخصصه تدريسًا وقراءة وتأليفًا ومعالجة ، بحيث يستغرق فكرة هذا التخصص ومن ثم يغفل عن رعاية الجانب الكلي وعن الإرتباط الحيوي بين كليات النظم الشرعية ، والواقع ماضيًا وحاضرًا يدل على ذلك ..

وقد يقال إن هذا جار على عدم إمكانية وجود العالم المتمكن من كليات العلوم الشرعية وتفصيلاتها جميعًا وفي هذا شئ من المصادرة .

وهنا أقول إن الحق - كما أرى - هو ما سبق تقريره ، إنه وإن كان هذا ممكنًا بل متحققًا للصحابة والأئمة السابقين من بعدهم إلا انه أصبح صعبًا بعد توسع العلوم وكثرة تفريعاتها وتشعب مناهجها ، وإن تَحقق شئ من ذلك فلقلة من فحول العلماء معدودين كابن تيمية ، وابن القيم وأمثالهما من ذوي الملكات الشمولية والموسوعية (2) . وقد يُقِّيض الله من أبناء الأمة الإسلامية من يملك مثل قدرات هذين الإمامين الجليلين .

من ذلك تتبين ضرورة وجود متخصص يبحث الكليات في نظم الإسلام وترابطها ، وما إلى ذلك من متعلقات .

ويكون مثاله كالفيلسوف بين علماء الطبيعة ، إذ لكل علم مجاله الخاص منهجًا ، وموضوعًا ، فالرياضيات مجالها الكم ، والطبيعيات مجالها الحركة والتغير وعلم النفس مجاله الظواهر النفسية والسلوك … الخ .

والفيلسوف هو الذي يدرس موضوعات هذه العلوم في نظرة جامعة ، ويعمل على الجمع بين عمومياتها ، لينتج فلسفة موحدة ولهذا سماه ( أوجست كونت ) ( ضابط الإتصال بين مختلف العلوم ) (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت