قلت: كلام المؤلف هذا فيه مناقشات:
الأولى: أنه موهم بأن الأمر على التخيير بين المسلكين، وليس كذلك، فالمسلك الأول هو مسلك الفقهاء، وعنهم أخذه بعض أهل الحديث كالخطيب وغيرهن وقد أنكر المحققون إطلاق القول باستخدام هذا المسلك.
فقال الحافظ ابن حجر في"النزهة" (ص: 30) :
"اشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجيب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وكذا الحسن."
والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي والدارقطني، وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة"."
وقد تقدَّم النقل عن ابن دقيق العيد والعلائي ما يؤيد ذلك.
الثانية: أنه قد أوهم أن العلة في الاختلاف في الوقف والرفع إنما هي الخلاف بين الرواة عن فضيل بن مرزوق، وليست كذلكن بل هي من فضيل نفسه، فقد شك في روايته كما عند الإمام أحمد في"المسند" (3/21) قال:
حدثنا يزيد، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، فقلت لفضيل: رفعه، قال: أحسبه قد رفعه ... الحديث.
وأما المؤلف فقد نحى منحى غريبًا في تأويل هذا الشكن فقال (ص:218) :
(هذا ظن راجح تقوى"بقد"وهو حرف تحقيق هنا دخل على الماضي فقربه من الحالن وعليه فرواية يزيد بن هارون من قسم المرفوع، ولابد ، وهو صنيع من تكلم على الحديث ممن تأخر من الحفاظ) .
قلت: وهذا اعتذار ساقط لا قيمة له، ذلك لأن كلمة:"أحسب"تفيد الظن ولا شك، والظن أكذب الحديث.