بل وُجوبه بما ثبت عن عمر وعثمان من النهي عن مُتعة الحج، بل ثبت عن عمر أنه كان يضرب على ذلك، ورُوي مثله عن عثمان [1] ، حتى صار ذلك فتنة لكثير من الناس وصادًّا لهم عن الأخذ بحديث جابر المذكور وغيره، ويَدْعَمون ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم: {عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين} ، وقوله: {اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر} ، ونحن نجيب عن هذا الاستدلال غَيْرة على السنة المحمدية من وُجوه:
الأول: أن هذين الحديثين لا يراد بهما قطعًا اتباع أحد الخلفاء الراشدين في حالة كونه مخالفًا لسنته - صلى الله عليه وسلم - باجتهاده، لا قصدًا لمخالفتها، حاشاه من ذلك، ومن أمثله هذا ما صح عن عمر- رضي الله عنه - أنه كان ينهى من لا يجد الماء أن يتيمم ويصلي [2] !! وإتمام عثمان الصلاة في مِنى مع أن السنّة الثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم - قَصرُها كما هو ثابت مشهور، فلا يشك عاقل، أنهما لا يُتَّبعان في مثل هذه الأمثلة المخالفة للسنّة، فينبغي أن يكون الأمر هكذا في نَهْيِهما عن المتعة للقطع بثبوت أمْرِه - صلى الله عليه وسلم - بها.
لا يُقال: لعل عندهما علمًا بالنهي عنها، ولذلك نَهَيَا عنها، لأننا نقول:
قد ثَبَت من طرق أن نهيَهما إنما كان عن رأي واجتهادٍ حادث، فقد روى مسلم (4/ 46) وأحمد (1/ 50) عن أبي موسى أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رُويدَك ببعض فُتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النُّسك بعدُ، حتى لقيه بعدُ، فسأله
(1) : أنظر"المحلى" (7/ 107) (الشيخ) .
(2) : أخرجه الشيخان في"صحيحيهما". فانظر كتابي"مختصر الإمام البخاري"رقم (191) و"صحيح مسلم" (1/ 193) . (الشيخ) .