فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 163

ص:27

مرتبطة بمقاصدها ومنطلقاتها الشرعية، ولا تتحول إلى مهارب سلبية تسودها فلسفات ومسوغات الانسحاب والهزيمة، شأنها في ذلك شأن الجهاد، حيث لا يجوز التولي عن الزحف والفرار من الموقع، إلا في حالة التحرف لقتال، أو التحيز إلى فئة، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: 16} .

والمقصد الشرعي الأساس في الهجرة، أن تكون فرارًا إلى الله، سواءً كان ذلك على مستوى النفس أو على مستوى المكان. فالرسول صلى الله عليه و سلم يعرّف المهاجر بقوله: (إنَّ المهاجر مَن هَجَرَ ما نهى الله عنه) (رواه أحمد عن ابن عمرو) ، حتى ولو لم يغير موقعه، لأنه مارس هجرة نفسية وذلك بالانخلاع من الواقع الثقافي الجاهلي والوثني الذي تسوده العبودية لغير الله، مصداقًا لقوله تعالى: { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدّثر: 5} .

ولحكمة يريدها الله، ولبيان دور الهجرة في إظهار الدين، وعدم ركون المسلم إلى الدعة والاسترخاء والسقوط في الرفه، أو السقوط أمام الظالمين، ولأن الهجرة حالة مستمرة استمرار الحياة، جعلها الرسول صلى الله عليه و سلم المثال والأنموذج لإخلاص النية، فقال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه) (رواه الجماعة عن عمر، واللفظ لأبي داود) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت