فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 163

ص:19

في أصول الفقه والنظر والاجتهاد. حيث لا عبرة إذا لم نستطع تجريد النص من ظرف الزمان والمكان والمناسبة، وتوليده في المجالات المشابهة.

وكذلك نرى الحقيقة تستمر تاريخيًا، فالذي يدرس واقع المسلمين قبيل بدر، وواقع المشركين، من زواياه المتعددة، يدرك أن كل مؤهلات الغلبة العسكرية والحضارية كانت إلى جانب المسلمين، الفئة القليلة، بمؤهلاتهم وطبيعتهم النوعية وعقيدتهم المميزة، لذلك نستطيع أن نقول: إن الغلبة الحضارية والظهور الثقافي، أو إظهار الإسلام على الدين كله، لا يمكن أن تحدده القلة والكثرة، وإنما تحدده المؤهلات والخصائص والنوعية.

وقد يكون من المفيد أن نذكّر بهذه المناسبة، بالنص القرآني الحاسم لهذه القضية في سورة التوبة -وهي من أواخر ما نزل- الذي نزل بمناسبة التحضير لغزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، التي سميت بغزوة العسرة، وسمي جيشها بجيش العسرة، وكان في أشد الظروف الطبيعية قسوة، عندما تخاذل الكم الهائل عن الذهاب، وبدأت صناعة فلسفات الهزيمة تستميل النفوس الضعيفة، وتحركت الفئة القليلة لممارسة الإنجاز الكبير، عندها قال الرسول صلى الله عليه و سلم في مجال التبرع والعطاء: (سبق درهمٌ مائةَ ألف درهم) ، قالوا: يا رسول الله! وكيف؟ قال: (رجل له درهمان فأخذ أحدَهما فتصدّق به، ورجل له مالٌ كثيرٌ فأخذ من عُرْضِ ماله مائة ألف فتصدّقَ به) (رواه النسائي، عن أبي هريرة) ، فالأمر لا يُعَايَر بالقلة والكثرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت