والمعنى أن زواج المسلمين إياهن ليس بالذي يخرجهن من الكفر المُحبط للعمل 0
وقيل في معنى الآية أيضًا: إن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة في الدنيا بإباحة ذبائحهم ونكاح نسائهم إلا أن ذلك غير حاصل لهم في الآخرة؛ لأن كل من كفر بالله وجحد بنبوة النبي محمد - قد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين [1] 0
رابعًا: أن قول عطاء يتعارض مع ظاهر الآية لأنها تقتضي الحل المطلق أي غير مقيدة بوقت ولا معللة بعلة معينة ولم يرد في السنة الشريفة ما يفيد أن الحل إنما كان على سبيل الرخصة وإنما هو شرع مطلق ولفظ الحل يفيد مطلق الحلال [2] 0
الترجيح: مما سبق يتبين أن الرأي الراجح هو ما يراه جمهور الفقهاء من إباحة زواج المسلم بالكتابية، وأن الأصل فيه الحل، حيث دلت الآية على ذلك صراحة في قوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} عطفا على لفظ الحل في قوله: {اليوم أحل لكم الطيبات} فكان نساء أهل الكتاب من الطيبات التي أُحلت للمسلمين وهذه الآية من أواخر آيات القرآن الكريم نزولا فلم تُنسخ، ولهذا لم يظهر خلاف بين السلف في جواز نكاحهن، ولا أنكر أحد منهم على فاعله، وقد وقع الإجماع في عهد الصحابة على حل وطء أهل الكتاب بالنكاح ولم يخالف في ذلك مخالف [3] 0
وأنه لا تعارض بين أية البقرة: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} وأية المائدة السابقة؛ لأن الأولى عامة والثانية خاصة، وأن أية البقرة متقدمة وأية المائدة متأخرة كما أن لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب لأن لفظ الشرك عموم وفي لفظ أهل الكتاب خصوص وقد قال تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين} وعطف بين أهل الكتاب والمشركين وظاهر العطف يقتضي المغايرة، ففرق بينهما في اللفظ والمعنى فلا تعارض، وأن ما ذهب إليه عطاء تبين معارضته ومخالفته لصريح آية المائدة، وفعل الصحابة يَرده.
(1) الخازن جـ 1 ص 576
(2) المحلي لابن حزم جـ 9 ص 449
(3) المغني جـ 6 ص 589 - السيل الجرار جـ 2 ص 253