وما يتجاهله هؤلاء أن الصراع العربي الصهيوني لم ينشأ بسبب حالة نفسية أو حالة عقلية وإنما لأسباب موضوعية ملموسة، وهي أن كتلة بشرية غريبة وافدة جاءت إلى الأرض الفلسطينية فاستولت عليها وطردت شعبها، ولا يمكن إصلاح الوضع إلا بإرجاع الأرض إلى أصحابها وعودة الشعب الذي طُرد.
ولكن يظل السؤال يطرح نفسه: ما هو تفسير هذا التطرف الصهيوني المتزايد؟ وما سر هذا التأييد الشعبي العارم لشارون؟ لِمَ لَمْ يولِّد الخوف من الهجمات الاستشهادية قدرًا من الاعتدال؟ أليس انتخاب شارون دليلًا قاطعًا على صدق مقولة دعاة وقف الانتفاضة، فشارون المتطرف حل محل باراك المعتدل بسبب الهجمات الاستشهادية؟
وللإجابة على هذه الأسئلة لا بد أن نشير إلى أن المستوطنين يدركون السكان الأصليين من خلال ثلاثة أنماط أساسية: الإنسان الغائب - الإنسان الهامشي - الإنسان الحقيقي. وهذه الأنماط ليست ثابتة أزلية، وإنما تتغيَّر بتغيُّر الظروف، شأنها في هذا شأن أية خريطة إدراكية. فموازين القوى قد تساهم في تقويض نمط إدراكي، كما قد تساهم في دعمه. ويمكن تلخيص تحولات الخريطة الإدراكية الاستيطانية على النحو التالي:
1 -في حالة اتجاه موازين القوى لصالح المستوطنين وضد صالح السكان الأصليين، فإن هذه الموازين ستدعم الإدراك الاستيطاني العنصري المتحيِّز. وسيرى المستوطنون أن البنية الاستيطانية/ الإحلالية قد حققت لهم الأمن الذي يبغونه والمستوى المعيشي المرتفع الذي يتطلعون إليه. وسيساهم ذلك في تحويل الواقع التاريخي إلى شيء هامشي باهت، ويتدعم البرنامج السياسي الاستيطاني/ الإحلالي بوصفه مرشدًا للتعامل مع الواقع، ويتهمَّش السكان الأصليون إلى أن يغيبوا تمامًا من شاشة الوجدان الاستيطانية ومن خريطة المستوطنين الإدراكية.