البخاري في صحيحه [1] ، وأخرج مسلم الثاني منهما [2] ، وللحديثين روايات أخرى أخرجهما الشيخان وغيرهما من الأئمة في كتب السنة، ولا حجة في هذه الأحاديث -بحمد الله- على مازعم هذا الرافضي من القول بردة الصحابة إلا القليل منهم، كما هو معتقد سلفه من الرافضة أخزاهم الله. وذلك أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مما لا يقبل النزاع في عدالتهم أو التشكيك في إيمانهم بعد تعديل العليم الخبير لهم في كتابه، وتزكية رسوله - صلى الله عليه وسلم - لهم في سنته، وثناء الله ورسوله عليهم أجمل الثناء، ووصفهم بأحسن الصفات، مما هو معلوم ومتواتر من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما تقدم نقل بعض النصوص في ذلك. [3]
ولهذا اتفق شراح الحديث من أهل السنة، على أن الصحابة غير معنيين بهذه الأحاديث وأنها لا توجب قدحًا فيهم.
قال ابن قتيبة في معرض رده على الرافضة في استدلالهم بالحديث على ردة الصحابة: «فكيف يجوز أن يرضى الله - عز وجل - عن أقوام ويحمدهم، ويضرب لهم مثلًا في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم وهذا هو شر الكافرين» . [4]
وقال الخطابي: «لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، ممن لانصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحًا في الصحابة المشهورين، ويدل قوله: (أصيحابي) على قلة عددهم» . [5]
وقال الدهلوي: «إنا لا نسلم أن المراد بالأصحاب ماهو المعلوم في
(1) صحيح البخاري: (كتاب الرقاق، باب في الحوض) فتح الباري 11/464- ... 465، ح 6584-6587.
(2) صحيح مسلم: (كتاب الفضائل، باب إثبات الحوض) 4/1793،
ح229.
(3) انظر ص 215-217، 345-348.
(4) تأويل مختلف الحديث ص279.
(5) نقله عنه ابن حجر في فتح الباري 11/385.