فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 463

الوجه الثالث: أن عمر - رضي الله عنه - كان بعيد النظر، ثاقب البصيرة، سديد الرأي، وقد رأى أن الأولى ترك كتابة الكتاب -بعد أن تقرر عنده أن الأمر به ليس على الوجوب- وذلك لمصلحة شرعية راجحة للعلماء في توجيهها أقوال.

فقيل: شفقته على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يلحقه من كتابة الكتاب مع شدة المرض، ويشهد لهذا قوله: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد غلبه الوجع) فكره أن يتكلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يشق ويثقل عليه [1] مع استحضاره قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [2] ، {تبيانًا لكل شيء} . [3]

وقيل: إنه خشى تطرق المنافقين، ومن في قلبه مرض، لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة، وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل نص على ذلك القاضي عياض وغيره من أهل العلم. [4]

وقيل: إنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عجزوا عنها فاستحقوا

العقوبة لكونها منصوصة، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، لما فيه من الأجر والتوسعة على الأمة. [5]

قلت: ولا يبعد أن يكون عمر - رضي الله عنه - لاحظ هذه الأمور كلها، أوكان لاجتهاده وجوه أخرى لم يطلع عليها العلماء، كما خفيت قبل ذلك على من كان خالفه من الصحابة، ووافقه عليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتركه كتابة الكتاب، ولهذا عد العلماء هذه الحادثة من دلائل فقهه ودقة نظره.

قال النووي: «وأما كلام عمر - رضي الله عنه - فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث، على أنه من دلائل فقه عمر، وفضائله، ودقيق نظره» . [6]

(1) انظر: الشفا للقاضي عياض 2/888، وشرح صحيح مسلم للنووي ... 11/90، وفتح الباري لابن حجر 1/209.

(2) سورة الأنعام آية 38.

(3) سورة النحل آية 89.

(4) انظر: الشفا 2/889، وشرح صحيح مسلم للنووي 2/92.

(5) انظر: الشفا 2/889، وفتح الباري 8/134.

(6) شرح صحيح مسلم 11/90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت