ويطوفون بالبيت، وأراد بذلك أن يحفز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على دخول مكة، وعدم الرجوع إلى المدينة، لما يرى في ذلك من عز لدين الله وإرغام للمشركين.
قال النووي: «قال العلماء لم يكن سؤال عمر - رضي الله عنه - وكلامه المذكور شكًا بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًا على إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه - رضي الله عنه - وقوته في نصر الدين وإذلال المبطلين» . [1]
ونقل هذا أيضًا ابن حجر -رحمه الله- عن بعض شراح الحديث. [2]
فعمر - رضي الله عنه - كان في هذا مجتهدًا حمله على هذا شدته في الحق، وقوته في نصرة الدين، والغيرة عليه، مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المشورة وإبداء الرأى، امتثالًا لأمر الله تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} [3] وقد كان كثيرًا ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم، كما استشارهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، وأخذ بمشورتهم، وشاورهم يوم أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج للعدو فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذٍ فأبى عليه السعدان (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية أن يميل على ذراري المشركين، فقال أبو بكر: إنا لم نجيء لقتال، وإنما جئنا معتمرين فأجابه إلى ما قال [4] ، في حوادث كثيرة يطول ذكرها.
فقد كان عمر - رضي الله عنه - يطمع أن يأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيه في مناجزة قريش وقتالهم، ولهذا راجعه في ذلك، وراجع أبا بكر، فلما رأى اتفاقهما أمسك عن ذلك وترك رأيه، فعذره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يعلم من حسن نيته وصدقه.
(1) شرح صحيح مسلم 12/141.
(2) انظر: فتح البارى 5/346.
(3) سورة آل عمران من الآية 159.
(4) انظر: تفسير ابن كثير 1/420 عند تفسير قوله تعالى: {وشاورهم في ... الأمر} .