وهذه الآية جاءت في مقام الحديث عن إنصاف رجل يهودي اتُهم ظلمًا بالسرقة من بيت من الأنصار كان السارق منهم وظن هؤلاء أن اتهام اليهودي سيرضى الجميع وبخاصة أن السارق ألقي بالدرع المسروق في بيت اليهودي فنزل القرآن ليعلن الرسول بالحقيقة حتى يحكم بين الناس بما أراه الله ولا يجادل عن السارق لمجرد أنه مسلم فالحق أحق أن يتبع ، وللشيخ سيد قطب حول هذا السياق كلام جميل .
وسياق الآيات كأنه حملة [ يفوح منها الغضب ، على الخائنين ] والعقاب الشديد للمجادلين عنهم ، ومع ذلك ( من يستغفر يجد الله غفورًا رحيمًا ) والذي يلفت النظر هنا هو بناء الجملة الذي أشعر أن المستغفر يبحث عنها ، فيجدها عند الله سبحانه [ إنه سبحانه موجود للمغفرة والرحمة حيث قصده مستغفر منيب ]
أقول إن بناء العبارة يشعر بأن المقام تقل فيه المغفرة ، ويعز فيه العفو فيظل البحث عنهما فلا يتحصل المستغفر علي المغفرة ولا يتحقق من العفو إلا عند الله تعالي [ فمعنى ( يجد الله غفورًا رحيمًا ) أي: يتحقق ذلك له، فاستعير الفعل ( يجد ) للتحقق لأن الفعل ( وجد ) حقيقته الظفر بالشيء ومشاهدته فأطلق على تحقيق العفو والمغفرة على وجه الاستعارة ]
ووجه الجمال في ذلك أن هذه الجملة رسمت للقارئ المغفرة على أنها كنز محسوس يُرى ويتحصل عليه ويتمتع به بمجرد الاستغفار ، ويزيد هذا المعنى رسوخا بمجئ اسمه (غفورًا) مفعولًا ثانيًا،والمفعول هو ما وقع عليه الفعل .
أضف إلى ذلك أن حركة الفتح في المفعول به ، وتنكير الكلمة يشيران إلى هذا الفيض ، فالنكرة بما فيها من عموم ، والفتحة بما توحيه من سعة يتناغمان مع معنى الإيجاد والاستحواذ لأن البحث كان عن عزيز نادر البحث ،كان عن مغفرة في مقام الغضب ، حتى أعيد اسم ( الله ) مرتين وفيه ما فيه من جلال ، وذلك في قوله ( ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا ) .