هذه أم خصائصه والركن الوثيق لعلومه، والأساس لكل أسسه، وسبب قيامه، ولم يكن لأمة من الأمم سابق عهد به على نحو ما أبدعه المحدثون، فهو ابتكار محض من إملاء الفؤاد وجود الخاطر، ولا أثر فيه لعلوم أجنبية، ومن ثم ظهر تفرده بين العلوم، ولم يكن لدارسيه مثل محتذى فيقيسونه عليه، بل مدرسته المفتقة، وبابه المشرع هم أهله المنشؤون له (1) .
وانصبت قواعد علوم الحديث على الإسناد ورجاله، من اتصاله وانقطاعه، أو شذوذه وعلته، ومن ثقة الرجال وضعفهم، مما هو أساس قبول الحديث أو رده، وكان أخذ هذه القواعد وفهم المراد منها عن أهلها العارفين بها وبمقاصد مصطلحاتهم ومجال استعمالهم لها وتطبيقهم إياها. فيكون ملاحظة المكتوب المدون منها، والمطبق المعمول به، وربط النظري منها بالتطبيقي، ودوام الاتصال بها لعرض كل عمل في هذا المجال على قواعد علم الحديث والتحاكم إلى قوانينه.
وعملية نقد الأسانيد في معناها الدقيق المستوفي لعناصر النقد، خاصة في أنواع بعينها كأبواب العلل والاختلاف، والتدليس، وتقوية الطرق، وما إليها. مما يعلم وعورة المسلك فيه، وعدم تأهل كل أحد له إلا علماء العلل الذين هم خاصة أهل الحديث. وقد اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعني (2) .
وعلوم الإسناد متشعبة، ومن رام تعلم الحديث تعين عليه الصبر على هذا العلم المتعلق به ومنازلة صعوباته إذ أن صعوباته لا تزول بفهم قليله بل لا بد من أن يحكم معظم أبوابه وعلومه، أما مع عدم التقدم في فهمه فذاك يزيد المبتدئ إشكالا.
(1) وتبقى إطلاقات المؤرخين لتاريخ العلم عند المسلمين من المستشرقين ومن كان على منوالهم غير دقيقة، كما يفعل روزنثال، فمن ذلك قوله »وهكذا أصبح العلماء اليونانيون المثل الأعلى في كل حقل من حقول العلم عند المسلمين الذين تتلمذوا عليهم« مناهج العلماء المسلمين ص 45.
(2) فتح المغيث للسخاوي (1/274) .