الصفحة 6 من 6

إننا قد نجد العكس من هذا تمامًا، ممارسات تاريخية كانت تعبّر عن رغبة المجتمعات الإسلامية بمزيد من الإلتزام، إنها ما استسلمت بسهولة لتقاليد الحكام بل شقّت طريقها المستقل بمواجهتهم، بل إنها أعلنت ثورتها عليهم من أجل إعادتهم إلى جادة الصواب، أو إرغامهم على تسليم مواقعهم لمن يسلك جادة الصواب وهي كانت تعلم جيدًا أنه مهما طال الزمن بقدرة المجتمع الإسلامي على الإلتزام فإن القيادة المنحرفة ستفكك يوما بعد يوم عرى هذا الإلتزام عروة عروة، وسيجد المجتمع الإسلامي نفسه يومًا غير قادر، بهذه الدرجة أو تلك على حماية التزامه بعد أن انهارت خطوط دفاعه الواحدة تلو الأخرى.

إنه من الصعوبة بمكان تصوّر بقاء المجتمع المسلم تاريخيًا بدون دولة تسعى لحمايته، أمدًا طويلًا، إذ أنه لابد وأن يتعرض لعوامل التحلّل التي سمّمت الأجواء الخارجية، ورغم طول فترة مقاومته إلا أن الجراثيم لابدّ وأن تنقل العدوى إليه فيتجه صوب التحلل والدمار. ولذا كان هناك ارتباط متين في الرؤية الإسلامية بين الدولة والحضارة من جهة، وبين الانسان والمجتمع من جهة أخرى، ولن يتم التوحد والتماسك والتقدم إلا بوجود هذه الأقطاب الأربعة: ابتداء من الإنسان صانع الحضارة، فالمجتمع مشكل قيم الحضارة ومنفذها، فالدولة حارسة الكيان الإجتماعي والحضاري، فالحضارة نفسها التي لن تكسب تفردها وحيويتها ونموها إلا بتوفر الإنسان الفعال (المحسن) والمجتمع الحركي (المجاهد) والدولة القوية (الراشدة) .

* المصدر: مجلة المسلم المعاصر /العدد44/1405

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت