ومهما يكن من أمر فإن المجتمعات الإسلامية كانت تملك القدرة على حماية ذاتها العقائدية لفترات زمنية قد تطول أو تقصر، ولكنها ما كانت _بحال _ بالسرعة الميكانيكية التي تتجاوب كأصداء الأجراس مع أي خطأ أو انشقاق أو تفلّت قد يحدث فوق، في دوائر الحكم والقيادة والسلطان. فرغم الأخطاء التي شهدها عصر أموي أو عباسي أو أندلسي أو مملوكي أو عثماني.. إلى آخره.. على مستوى الحكم، فإن المجتمعات الإسلامية ظلت تواصل مسيرتها العقيدية باذلة جهدًا مزدوجًا هذه المرة إذ كان عليها أن تحمي التزامها أولًا، وأن تسعى بهذه الصيغة أو تلك إلى ردّ السلطان إلى جادة الصواب.
فما استسلمت المجتمعات الإسلامية بهذه السهولة، والمؤثرات الإسلامية تشكلها وتؤثر فيها صباح مساء. إن علينا ها هنا أن نلحظ نوعين من القيادات. قيادات فقدت التزامها، بدرجة أو أخرى، لكنها لم تمارس عملًا مضادًا فتحجب حق الإلتزام أو سبله عن المجتمع الذي تحكمه، وهذا النموذج هو الذي يغطي معظم مساحات تاريخنا الإسلامي. وقيادات أخرى، أقل عددًا، أبحرت بالاتجاه المضاد فاستخدمت سائر الوسائل لحجب حق الالتزام وسد الطرق والمنافذ أمام المجتمعات الإسلامية التي تحكمت فيها من أن تمارس حقها في أن تحيا _على النطاق الإجتماعي على الأقل _ الحياة التي يريدها الله ورسوله (ص) .
وإذا كانت الضغوط المضادة في هذه الحالة الثانية لم تستطع إلغاء الإلتزام الإجتماعي بالإسلام بلمسة سحرية، بل إنها في بعض المساحات ولدت ردود فعل شديدة زادت بعض المجتمعات الإسلامية أصالة والتزامًا، فكيف سنصدق _إذًا _ تلك المقولة الخاطئة من أن المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ، حيث ما كان الحاكم يلجأ _إلاّ نادرًا _ إلى ممارسة ضغوطه المضادة، سوف تنفلت بقدرة قادر من التزاماتها الإسلامية وسوف تخرج بسرعة غير مبرّرة إلى طريق الضلال؟