الحديث الثامن عشر: في حكم صوم المريض والمسافر
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (سافرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فلم يَعِبِ الصائمُ على المفطر، ولا المفطرُ على الصائم) [رواه البخاري ومسلم[1] ].
الحديث دليل على أن المسافر مخير بين أن يصوم إذا رأى أن فيه قوة على الصيام، أو يفطر إذا رأى الفطر أقوى له ويقضي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرّ الصحابة - رضي الله عنهم - على الصوم والفطر، وإقراره - صلى الله عليه وسلم - حجة. وهذا من يسر الشريعة ولله الحمد. قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [2] .
والرخصة في الإفطار منوطة بالسفر لا بالمشقة، فلو سافر على الطائرة -مثلًا- فله الفطر؛ لأنه مسافر فارق بلده.
وقد دلت النصوص على أن المسافر إذا شق عليه الصوم مشقة شديدة فإنه يحرم عليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بلغه -وهو في غزوة الفتح- أن الناس قد شق عليهم الصيام دعا بماء بعد العصر فشربه والناس ينظرون إليه، فقيل له: إن بعض الناس قد صاموا، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» [3] .
وأما إذا كان الصيام يشق عليه مشقة غير شديدة، فالأولى في حقه الفطر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» [4] وفي حديث آخر: «كما يحب أن تؤتى عزائمه» [5] .
فإن كان لا يشق عليه الصوم فعل الأيسر عليه. فإن تساويا فالصوم أفضل؛ لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه أسرع في إبراء ذمته، وأنشط له إذا صام مع الناس.
وأما المريض فإن كان يستطيع الصيام بلا ضرر ولا مشقة وجب عليه أن يصوم، وإلا أفطر لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} .
وإذا حدث المرض في أثناء النهار وهو صائم وشق عليه إتمام يومه جاز أن يفطر في أي جزء من أجزاء النهار؛ لوجود العذر المبيح للفطر.
(1) أخرجه البخاري (1947) ، ومسلم (1121) .
(2) سورة البقرة، الآية: (185) .
(3) رواه مسلم (1114) عن جابر - رضي الله عنه -.
(4) رواه أحمد (10/ 112) ، وابن خزيمة (950) ، وابن حبان (6/ 451) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - بسند صحيح.
(5) رواه ابن حبان (8/ 333) ، والطبراني في"الكبير" (11881) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - بسند صحيح.