وقد يكون فرض الكفاية فرض عين كقاضي واحد في البلد أو سباح واحد لإنقاذ غريق، أو طبيب واحد لم يكن غيره لإسعاف مريض، ونحو ذلك مما يتعين فيه الفعل على شخصٍ بعينه.
كالنهي عن القران في التمر، أو الانتقال وهو قائم، فما كان عقابه أعظم كان النهي عنه أوكد؛ لأن العقاب ثمرة ونتيجة لأصل التحريم، ولأن الترجيح بين الفعلين المحرمين ثابت، فما زال أهل العلم يقدمون أخف الضررين والمفسدتين عند التعارض ولو تساويا من كل وجه لامتنع ذلك الترجيح.
قوله: فما كانت مصلحته خالصة أو راجحة ....
أي: أن المأمورات والمنهيات ترجع إلى أقسام أربعة، اثنان في المأمورات، واثنان في المنهيات:
الأول: أن تكون المصلحة خالصة، وهي التي لا يشربها أي مفسدة كالتوحيد والإخلاص والعدل والإحسان وبر الوالدين وصلة الأرحام وفعل المعروف ونحو ذلك، فهذا يأمر به الشرع أمر إيجاب أو أمر استحباب، حسب نوعية المأمور به.
الثاني: أن تكون المصلحة راجحة، وهي التي تخالطها مفسدة ولكن المصلحة هي الأغلب، كالجهاد، فإن فيه إعلاء كلمة الله ونصرة دينه مع ما فيه من التعرض للقتل، وهذه يأمر بها الشرع أيضًا أمر إيجاب أو استحباب؛ لأن العبرة بالغالب ولا ينظر إلى ما فيها من المفسدة لضعف أثرها وغلبة المصلحة عليها.
الثالث: أن تكون المفسدة خالصة، وهي التي لا يخالطها مصلحة كالشرك والظلم وعقوق الوالدين، ونحو ذلك مما لا مصلحة فيه، فهذه ينهى عنها الشرع نهي تحريم أو كراهة حسب نوعية المنهي عنه.
الرابع: أن تكون المفسدة راجحة، وهي التي تضمنت مصلحة ولكن جانب المفسدة أغلب، مثل: الخمر والميسر والربا والظلم ونحو ذلك، فإن هذه المذكورات فيها مصالح كسب المال وما يحصل لفاعلها من اللذة، لكن مفاسدها أعظم، قال تعالى: {يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} وهذه ينهى عنها الشرع نهى تحريم أو كراهة، لأن العبرة بالغالب، ولا ينظر إلى ما فيها من المصلحة، لضعف أثرها وغلبة المفسدة عليها.
يقول ابن القيم رحمه الله: ولما كانت خاصة العقل النظر فيه إلى العواقب والغايات كان أعقل الناس أتركهم لما ترجحت مفسدته في العاقبة، وإن كانت فيه لذة ومنفعة يسيرة بالنسبة إلى حضرته.
قال: وأما المباحات: فإن الشارع أباحها وأذن فيها، وقد يتوصل بها إلى الخير فتلحق بالمأمورات، وإلى الشر فتلحق بالمنهيات.