وأهل العلم والفتيا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بلغوا هذه المنزلة بهجر الترفه والصبر والجلد، فابن عباس رضي الله عنهما يقول عن نفسه: «فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح على وجهي التراب فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله، ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث» [1] .
ولا يقف الأمر عند هذه الحقبة الزمنية، فترى ذلك من خلال سير أهل العلم والقيادة في الأمة على مدى تاريخها الواسع.
قال فضيل بن غزوان: «كنا نجلس أنا وابن شبرمة، والحارث بن يزيد العكلي، والمغيرة، والقعقاع بن يزيد بالليل نتذاكر الفقه، فربما لم نقم حتى نسمع النداء بالفجر» [2] .
وقال أبو عبيد الآجري: سئل أبو داود: أيما أحفظ وكيع أو عبد الرحمن بن مهدي؟ قال: وكيع أحفظ وعبد الرحمن أتقن، وقد التقيا بعد العشاء في المسجد الحرام، فتوافقا حتى سمعا أذان الصبح [3] .
قال أبو حاتم: سمعت أبي يقول: أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ (4800 كم ) ، قال: ثم تركت العدد بعد ذلك، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيًا، ثم إلى الرملة ماشيًا، ثم إلى دمشق، ثم أنطاكية وطرسوس، ثم رجعت إلى حمص، ثم إلى الرقة، ثم ركبت إلى العراق، كل هذا في سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة [4] .
قال عبد الله ابن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: كنت ربما أردت البكور في الحديث، فتأخذ أمي بثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس أو يصبحوا، وكنت ربما بكرت إلى مجلس أبي عياش وغيره.
(1) رواه الدارمي (570) .
(2) سير أعلام النبلاء (6/348) .
(3) سير أعلام النبلاء ( 9/152 ) .
(4) سير أعلام النبلاء (13/255 -256) .