وتأتي هذه الآيات للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مبدأ الرسالة واصفة هذا الكتاب الكريم بأنه ثقيل، ومن ثم فلن يحمله ويقوم به إلا الرجال الجادون.
ج - وينعى القرآن الكريم على الذين يظنون أنهم سيدخلون الجنة عبثًا دون عمل أو مجاهدة { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } (البقرة:214) . ويضعهم أمام هذا النموذج: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين. وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين } (آل عمران:146-147) «هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى، وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها، وإلى سنته - سبحانه - في تربية عباده المختارين، والذين يكل إليهم رايته وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته، وهو خطاب مطرد لكل من يختار لهذا الدور العظيم، وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة، إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه، من الرسول الموصول بالله والمؤمنين الذين آمنوا بالله، إن سؤالهم: متى نصر الله؟ ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة، ولن تكون إلا محنة فوق الوصف تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب، فتبعث ذلك السؤال المكروب: متى نصر الله؟ وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة عندئذٍ تتم كلمة الله، ويجيء النصر من الله { ألا إن نصر الله قريب } ... إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة، ويرفعها على ذواتها، ويطهرها في بوتقة الألم، فيصفو عنصرها ويضيء، ويهب العقيدة عمقًا وقوة وحيوية، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها...» [1] .
(1) في ظلال القرآن ( 1/218 - 219 ) .