وقال أبو العالية:"كنا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم"، وذلك لإرادة علو الإسناد.
واليوم لو دعي بعض طلبة العلم إلى محاضرة لقالوا: يكفينا أن نذهب إلى محلات التسجيل، ونشتري المحاضرة بعد أن يتم تسجيلها.
فليقارن طلبة العلم اليوم حالهم بحال أولئك الأفذاذ، أولي الهمم العالية، فلعله أن يكون في ذلك حافز لهم على الجد والتشمير.
حال السلف الصالح في طلب العلم
لقد كان حال سلف الأمة في طلب العلم حالًا عجيبًااستثمروا فيه أوقاتهم، وأفنوا شبابهم؛ فحصلوا منه ما يدعو إلى الدهشة، ويبهر الألباب، ويستنهض الهمم.
قال أبو زرعة:"كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث (أي: مليونًا) ، فقيل له: ما يدريك؟ قال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب" [1] .
وأنا أسأل: كم منا من يحفظ ألف حديث؟!
بل كم منا من يحفظ الأربعين النووية حفظًا دقيقًا؟!
وقال سليمان بن شعبة:"كتبوا عن أبي داود أربعين ألف حديث، وليس معه كتاب".
وقال أبو زرعة الرازي:"أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" (الإخلاص:1) ، وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث" [2] .
(1) - صفة الصفوة 2/ 337.
(2) - صفة الصفوة 4/ 88.