الترجيح: إن لم يمكن الجمع ، ولم يقم دليل على النسخ ، وجب المصير إلى الترجيح الذي هو تقوية أحد الحديثين على الآخر بدليل (1) لا بمجرد الهوى. قال الشافعي رحمه الله تعالى: (ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بمعنى سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما سوى الحديثين المختلفين أو أشبه بالقياس فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أن يصار إليه) (2) . وقال الشوكاني (3) رحمه الله في مبحث وجوه الترجيح بين المتعارضين: (إنه متفق عليه ، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به ، ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح) (4) .
التوقف: إذا تعذر كل ما تقدم من الجمع والنسخ والترجيح فإنه يجب التوقف حينئذ عن العمل بأحد الحديثين حتي يتبين وجه الترجيح. قال الشاطبي رحمه الله تعالى: (...التوقف عن القول بمقتضى أحدهما وهو الواجب إذا لم يقع ترجيح...) (5) . قال السّخاوي (6) رحمه الله تعالى: (ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفى عليه وفوق كل ذي علم عليم) (7) .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
(1) المجموع (13/110-111-120-121) .
(2) اختلاف الحديث (487) .
(3) هو العلامة محمد بن علي محمد بن عبد الله الشوكاني فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن ، تولى القضاء ، وكان محاربًا للتقليد توفي سنة (1205هـ) .الأعلام (6/298) .
(4) إرشاد الفحول (460) .
(5) الموافقات (4/154) .
(6) العلامة محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين السّخاوي الشافعي ، صنف مصنفات عدة ، لازم الحافظ ابن حجر ملازمة شديدة توفي سنة (902هـ) .الأعلام (6/194) .
(7) فتح المغيث (3/475) .