الصفحة 22 من 120

الله: فنقول: الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك، فذكر قوله: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال كذا، أخرجوا من كان في قلبه مثقال كذا) فهو يدل على ذلك وذكر عند أبي عبد اللّه عيسى الأحمر، وقوله في الإرجاء فقال: نعم، وذلك خبيث القول، وقال أبو عبد الله: حدثنا مُؤَمَّل، حدثنا حماد بن زيد، سمعت هشامًا يقول: كان الحسن ومحمد يقولان: مسلم. ويهابان: مؤمن.

قلت لأبي عبد اللّّه: رواه غير سُوَيْد؟ قال: ما علمت بذلك، وسمعت أبا عبد اللّّه يقول: الإيمان قول وعمل. قلت لأبي عبد اللّّه: فالحديث الذي يروى: (أعتقها فإنها مؤمنة) قال: ليس كل أحد يقول: إنها مؤمنة، يقولون: أعتقها. قال: ومالك سمعه من هذا الشيخ هلال بن علي لا يقول: (فإنها مؤمنة) / وقد قال بعضهم بأنها مؤمنة، فهي حين تقر بذاك فحكمها حكم المؤمنة، وهذا معناه. قلت لأبي عبد اللّّه: تفرق بين الإيمان والإسلام؟ فقال: قد اختلف الناس فيه، وكان حماد بن زيد ـ زعموا ـ يفرق بين الإيمان والإسلام، قيل له: من المرجئة؟ قال: الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل.

قلت: فأحمد بن حنبل لم يرد قط أنه سلب جميع الإيمان فلم يبق معه منه شيء، كما تقوله الخوارج والمعتزلة، فإنه قد صرح في غير موضع بأن أهل الكبائر معهم إيمان يخرجون به من النار، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ، وليس هذا قوله ولا قول أحد من أئمة أهل السنة، بل كلهم متفقون على أن الفُسَّاق الذين ليسوا منافقين معهم شيء من الإيمان يخرجون به من النار، هو الفارق بينهم وبين الكفار والمنافقين، لكن إذا كان معه بعض الإيمان لم يلزم أن يدخل في الاسم المطلق الممدوح، وصاحب الشرع قد نفى الاسم عن هؤلاء فقال: (لا يرني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ، وقال: (لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه) وقال: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بَوَائِقَه) وأقسم على ذلك مرات وقال: (المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)

والمعتزلة ينفون عنه اسم الإيمان بالكلية، واسم الإسلام ـ أيضًا ـ ويقولون: ليس معه شيء من الإيمان والإسلام، ويقولون: ننزله منزلة بين منزلتين، فهم يقولون: إنه يخلد في النار لا يخرج منها بالشفاعة، وهذا هو الذي أنكر عليهم،/ وإلا لو نفوا مطلق الاسم وأثبتوا معه شيئًا من الإيمان يخرج به من النار لم يكونوا مبتدعة، وكل أهل السنة متفقون على أنه قد سلب كمال الإيمان الواجب، فزال بعض إيمانه الواجب، لكنه من أهل الوعيد، وإنما ينازع في ذلك من يقول: الإيمان لا يتبعض من الجهمية والمرجئة، فيقولون: إنه كامل الإيمان، فالذي ينفى إطلاق الاسم يقول: الاسم المطلق مقرون بالمدح واستحقاق الثواب، كقولنا: مُتَّقٍ، وبَرٌّ، وعلى الصراط المستقيم، فإذا كان الفاسق لا تطلق عليه هذه الأسماء، فكذلك اسم الإيمان، وأما دخوله في الخطاب، فلأن المخاطب باسم الإيمان كل من معه شيء منه؛ لأنه أمر لهم، فمعاصيهم لا تسقط عنهم الأمر.

وأما ما ذكره أحمد في الإسلام، فاتبع فيه الزهري حيث قال: فكانوا يرون الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، في حديث سعد بن أبي وقاص، وهذا على وجهين، فإنه قد يراد به الكلمة بتوابعها من الأعمال الظاهرة، وهذا هو الإسلام الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) . وقد يراد به الكلمة فقط من غير فعل الواجبات الظاهرة، وليس هذا هو الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام. لكن قد يقال: إسلام الأعراب كان من هذا، فيقال: الأعراب وغيرهم كانوا إذا أسلموا ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت