وقد وَرَدَتْ بعض المناقشات على دليل أصحاب القول الأول: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )، أذكر بعضًا منها:
1 -بأنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على رجلينِ، وهما يغتابان، وكان أحدهما حاجمًا والآخر محجومًا، فقال - صلى الله عليه وسلم: (( أفطرا ) )؛ بسبب الغِيبة، وهذا ضَعيف سندًا، وضعيفٌ؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عَلَّق الفطر بالحجامة، ولأن الغيبة لا تفطر، ... باتِّفاق العلماء أو ما يُشبه الاتفاق [31] .
2 -وأجاب بعضهم بأن معنى أفطر - أي قارب الفطر - أي: كادا أن يفطرا؛ لأن الغالب أنه إذا احتجم، فإنه يضعف عن مُوَاصَلة الصيام، وقد يحتاج إلى الأكل أوِ الشُّرب، وهذا إن صحَّ في حال المحجوم، فليس بِوَاضح ... في حال الحاجم؛ لأنَّه لم يُسْتخرج منه شيء [32] .
3 -وقيل: إنَّ حديث: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )، منسوخ بِحَديث ابن عباس - رضي الله عنهما - السابق [33] .
الخلاصة والترجيح:
وَلَعَلَّ القول الذي استند إلى الحجَّة الأقوى، هو ما ذَهَب إليه الجمهور مِن أنَّ الحجامة لا تفسد الصَّوم.
الخِلاف في مسألة غسيل الكُلى، وأَثَره على الصِّيام:
وبناءً على ما سَبَق، فقد تَوجه الخلاف في مسألة غسيل الكُلى، هل يُفطر، أو لا؟ وقد حاولتُ جَمْع الأقوال في ذلك، فَوَجَدت أنَّ مَرَدَّها إلى قولينِ، بناءً على ما ذكرت منَ الخلاف في مسألة الحجامة:
القول الأول:
ذَهَب عدد منَ العلماء المعاصرينَ إلى أنَّ غسيل الكُلى مفسدٌ للصوم، ومُفَطر للصائم الذي يقوم به، وعليه قضاء ذلك اليوم الذي يقوم بالغسيل فيه [34] ، ومما استند به مَن قال ذلك ما يلي:
1 -أنَّ غسيل الكلى يُزَوِّد الجسم بالدم النقي، وقد يُزَود مع ذلك بمواد أُخرى مغذية، وهو مفطر آخر، فاجتمع لمريض الكُلى مفطران: تزويد الجسم بالدم النقي، وتزويده بالمواد المغذية [35] .
2 -القِياس على الحجامة، كما في حديث: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) ) [36] ، بِجامع أنَّ في العَمَلَيَّتينِ إضعاف للبدن، وإخراج للدم، وهذا القياس أضفته دليلًا لأصحاب هذا القول؛ لما رأيته من كلام العلماء المعاصرين قياسهم بذلك، وقد ذكرت سابقًا [37] أني أعده منَ القياس مع الفارق - منَ الناحية الطِّبية - حيثُ إنَّ الحجامة - كما هو معروف - استخراج دم فاسد من البدن - من أي جزء منه - ولا يُعوض بِبَدِيلٍ عنه، بينما غسيل الكُلى هو إخراج دم محمل بالسُّموم وإعادته دمًا منقى، بل مضافًا إليه بعض المواد المغذية، وأُخرى غير المغذية، حتى إنَّ الشيخ ابن العثيمين عندما سُئل عن صوم مَن يعمل غسيل الكلى، قال:"وأما بالنسبة للصيام فأنا في تَرَدُّد من ذلك، أحيانًا أقول: إنه ليس كالحجامة، الحجامة يستخرج منها الدم ولا يعود إلى البدن، وهذا مفسد للصوم كما جاء في الحديث، والغسيل يخرج الدم وينظف ويُعاد إلى البدن" [38] .