الصفحة 4 من 22

يرى الحنابِلة أنَّ ما وصل إلى أحد الجوفين جوف البدن أو الدماغ، فهو مفطر، قال ابن قدامة في"الكافي":"وإن أوصل إلى جوفه شيئًا مِن أي موضع كان، أو إلى دماغه، مثل: أنِ احتقن، أو داوى جائفة بما يصل جوفه، أو طعن نفسه، أو طعنه غيره بِإِذنه بما يصل جوفه، أو قطر في أذنه فوصل إلى دماغه، أو داوى مأمومة [14] بما يصل إليه أفطر؛ لأنه إذا بطل بالسَّعوط، دَلَّ على أنه يبطل بِكُل واصل مِن أي موضع كان؛ ولأنَّ الدِّماغ أحد الجوفين" [15] .

وقال في"المغني" [16] :"إنَّه يفطر بِكُل ما أدخله إلى جوفه، أو مجوف في جَسَده: كدماغه، وحلقه ونحو ذلك، مما ينفذ إلى مَعِدته، إذا وصل باختياره وكان مما يمكن التَّحَرُّز منه".

والذي يظهر أنَّ الحنابِلة يقصدون بالجوف المَعِدة، فقد صَرَّح ابن قدامة - كما سبق - بذلك أي إنَّ المُفَطر ما يصلُ إلى المعدة.

الخُلاصَة والتَّرْجيح:

إنَّ الفقهاء منهم الذين يَرَوْن فساد الصوم بِغَير الواصل إلى الجوف: كالواصل إلى الدِّماغ والدُّبر، والأذن والأنف، ونحوها، بناءً على وصوله إلى الجوف. ومنهم الذين يَرَوْن أنَّ هذه المنافذ (الدماغ والدبر، والأذن والأنف، ونحوها) - جوف بِحَد ذاتها، ولو لم يصل ما يدخل مِن طريقها إلى التَّجويف البَطْني.

ولكن المُتَأمل سيظهر له أنَّ الجوف هو المَعِدة فقط، أي إنَّ المفطر هو ما يصل إلى المَعِدة دون غيرها من تجاويف البدن؛ لأن المعدة - كما هو معروف - مكان التَّغذية، ووصول الطَّعام إليه ليمدَّ الجسم بالطاقة، وبناء عليه؛ يمكن في المسائل التالية، محاولة معرفة هل ما يتناوله الصائم عبر المنافذ المختلفة في البدن يصل به إلى المعدة، أو لا؟ وذلك للوصول للحكم على أنَّ ذلك الشَّيء الذي تناوله الصائم قد دخل إلى الجوف (المعدة) ، فتغذى الجسم منه فأفطر؛ أم لا.

وعند التأمُّل في قول الله - تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [17] ، يَتَبَيَّن أنَّ الشَّارع علَّق الفطر على الأكل والشُّرب، وكما هو معلوم أنَّ الأكل والشُّرب في حالة الإنسان الطبعي - أي: في صحَّة تامَّة، غير مريض - يكون بالفم، والغرض غالبًا منَ الأكل والشُّرب هو تغذية الجسم، فإذا لم يَتَحَقَّق هذا الأمر فيما يصل إلى الجوف (المعدة) ، فلا يُسمَّى أكلًا ولا شربًا.

وبِمَعنًى آخر: فإنَّ الفطر يحصُل بِأَحد أمرين [18] :

الأول: الأكل والشُّرب، وهو إيصال الطعام أوِ الشَّرَاب إلى الجوف (المعدة) ، من طريق الفم أو الأنف، بِشَرط أن يستقرَّ الداخل في الجوف (المعدة) ، ويتحلل فيه، فأمَّا ما لا يستقر؛ كما لو أدخل خيطًا أو منظارًا ثم أخرجه، فلا يفطر، وكذا إذا كان لا يتحلل في جوفه: كالحصاة، والنُّقود المعدنيَّة، ونحوها.

الثاني: ما كان بِمَعْنى الأكل والشُّرب، وهو كل ما ينفذ إلى البدن، ولو مِن غير الفم أو الأنف مما فيه تغذية للبَدَن،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت