الخصومات بين الناس، فهذا ضرب هذا، وهذا خاصم هذا، وهذا شط على هذا فهو حركة بشرية، وفيه أخطاء وإجتهادات وتأويلات بعضها يستساغ وبعضها ليس كذلك، فهناك حد فاصل بين جمال الفكرة وسموها وبين واقعيتها لو أخذنا تصور الناس وخيالهم لواقع الدولة الإسلامية لوجدنا أنها أقرب ماتكون إلى أذهانهم إلى عالم الأحلام، عالم ملئ بالصور الجميلة والفرشات الطائرة، والألوان الزاهية والسماء تنزل غيثها على الدوام، والضرع ملئ في كل حين، والأعداء يخافون جانبنا لما يعلمون من نزول الملائكة معنا فىلقتال، فهم يتصورون دولة الإسلام التى لافقير فيها، ولامريض فيها وكل من طلب شيئا فهو بين يديه، ولكن لو نظرنا لدولة النبى صلى الله عليه? سلم لما وجدنا هذه الجنه، بل لوجدنا أن معاناة الصحابة رضى الله عنهم في دولة الإسلام في المدينة أشد من معاناتهم وهم في مكة.
فهل حصل للصحابة رضى الله عنهم في مكة ما حصل لهم في غزوة الخندق إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا في دولة الإسلام زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وإبتلاء كالزلزال بل هو الزلزال نفسه قارن بين هذه الصورة وبين الصورة التى يحاول رسمها مشايخ هذا الزمان لدولة الإسلام، فهم يعدون الناس بالدولة التى لاخوف فيها ولامشقة، بيت لكل إنسان، طعام لكل بطن، والناس يدخلون في الإسلام لمجرد رؤيتهم لنا ولدولتنا، وعلى هذا فالناس يأتون إليناإلى جماعتنا لأن في أذهانهم أننا الحزب الذي سيؤمن لهم من النعيم الدنيوى أكثر مما تؤمنه الأحزاب الأخرى لكن لو قلت لكم: إن ثلاثة من الخلفاء الراشدين ماتوا قتلا، وعلى يد أناس لم يحتاجوا لكثير من التخطيط لقتلهم فعمر بن الخطاب رضى الله عنه قتله عدو الله أبو لؤلؤة المجوسى وهو قائم في صلاة الفجر، بين يدى شيوخ المسلمين وعلمائهم وقادتهم ورؤسائهم، عثمان بن عفان رضى الله عنه إنطلق الهوجاء وسيطروا على المدينة حتى دخلوا وهويقرأ القرآن على الخليفة الصائم رضى الله عنه وذبحوه في بيته وهو يقرأ القرآن، على بن أبى طالب رضى الله عنه قتل في وسط المسجد وهو قائم يدعو الناس إلى صلاة الفجر، وبين طائفة يأتيه ابن ملجم الخارجى، فيضرب هامته بالسيف بتصرف فردى وبإتفاق مع آخرين على قتل معاوية وابن العاص وهذا عصر الخلافة الراشدة وما أدراك ما بعده ولذلك علينا أن نقول: إن الذين يتصورون عالم الإسلام العملى حركة المرء المسلم في الحياة هو عالم لايمت إلىعالم البشر، وهو خارج عن حركة الحياة برمتها هؤلاء واهمون ويعيشون تهويمات وخيالات فبمجرد اصطدامهم بالصورة الحقيقية لهذه الحياة ستجدهم ينقلبون على أنفسهم يعلنون إعتزالهم وعدم قدرتهم على تحمل هذه الحياة، إن العيش مع الكتب وبين الكتب ومع الأفكار والقلم والورق ليس هو الإسلام إنما الإسلام هو حركة الحياة حركة البشر الإنسان بما فيه من صواب وخطأ، فالصواب يقوى ويدعم، والخطأ يقوم ويصلح، فعالم الإسلام العملى فيه الصواب وفيه الظلم،