الذي فيه هذه الآيات البينات تحمله الملائكة، كان لا بد لهم من الرضوخ الظاهر لهذا القائد الذي اصطفاه الله عز وجل، فعبئ القوم، وصار هذا الرجل الصالح متعاملًا مع هؤلاء الجنود، {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} ، هل انتهت الابتلاءات والاختبارات؟ كلا، {قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ، فَمَن شَرِبَ مِنْهُ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ، فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} (249) سورة البقرة. مراعاة للطبيعة البشرية، والعطش، فشربوا منه عدوانًا، وظلمًا، وزيادة عن الغرفة، إلا قليلًا منهم، ولا شك أنهم أقل من الثلث الباقي، {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ} ، عملية النخل، والتصفية لجيل النفخ، فهذه الكثرة الكاثرة، وهذه الجموع المندفعة، وهذه العواطف الجياشة، وهذا الحماس المتقد لا بد أن يمرر على مصافي تصفي وتنقي من هو الذي يصدق، من هو صاحب المعدن الأصيل، من هو صاحب النفس الزكية، فصار بهذا القليل الذين أطاعوه، فبنو إسرائيل ما صبروا على هذا الماء، وهم يريدون من إخواننا في غزة اليوم أن يحيوا بلا ماء ولا غذاء ولا كساء، ولا دواءٍ ولا كهرباء طيلة هذه الأيام وما قبلها، ثم يقصفون ما تبقى من مخازن الغذاء، ثم لا يرضيهم أن يُنقل الجرحى إلى المستشفيات، فلا بد من قتلهم داخل المستشفيات، فقصفوا المستشفيات، هذا يبيّن طبيعة النفس اليهودية، فهل يمكن بعد ذلك لمسلم أن يثق بهم، أو يوقع معهم عهدًا أو اتفاقًا؟ لا يمكن لهذه الطبيعة؛ لا يمكن معها إلا شيء واحد، إعداد السيف فقط. {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} هذه إذًا كانت المرحلة قبل الأخيرة من الاختبارات، لتأتي المرحلة الأخيرة، وهي ماذا سيكون الموقف إذا لقوا القوم واصطفوا أمام العدو، {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} . {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ} : تخذيل وإسقاط للمعنويات، هذه انهزامية، لكن أقل القليل ونهاية المصفاة، وما تبقى من المتبقين بعد انسحاب من انسحب: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا اللَّهِ} ، يستيقنون. {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} .