عشيرته الأقربين، ثم بلغه خارج مكه وذهب إلى الطائف، وأرسل أصحابه إلى الحبشة، ثم بعد ذلك أرسل إلى اليمن، وإلى البحرين، وفي قبائل جزيرة العرب ثم أرسل الرسل إلى كسرى وقيصر وعظماء الأرض يدعوهم إلى الإسلام، حتى المقوقس ملك الإسكندرية، وهكذا مرورًا بصاحب تيماء ونصارى نجران، لم يترك عليه الصلاة والسلام مكانًا إلا بلغه دين الله، وفهم أصحابه الرسالة من بعده، فقاموا بالجهاد في سبيل الله يفتحون الأمصار، ويبلغون الدين، ولما انتقل الإسلام من مكة إلى المدينة، وصار له تمكين في الأرض ظهرت طائفة من أعداء الدين لم تكن ظاهرةً من قبل، إذ لا حاجة ولا مبرر لوجودها في وقت الاستضعاف، فلم يكن هنالك منافقون بمكة، بل ظهر النفاق في المدينة ونجم، لأن زعيمهم قد قال لهم: أن هذا أمر قد توجه، يعني أن الإسلام صار له كيان و دولة وجيش وقوة وظهر وقبول عند الأوس والخزرج، ودخل أهل يثرب في دين الله لتكون طيبة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدة الإيمان، وهنا ظهر النفاق لأنه لا يمكن أن يكون هنالك كفار صرحاء في مواجهة المسلمين في المدينة، لأن ذلك كان سيسفك دمائهم، ويعرضهم للقتل، فاضطروا للاستخفاء وإظهار مؤامرتهم وحبكها بعد إخفائها.
صفة المنافقين في القرآن
وكان هدفهم ملخصًا في كتاب الله الإفساد في الأرض، كما ذكر الله في آيات النفاق في أول سورة البقرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ*أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} (البقرة:11 - 12) .
سبحان الله، هم يقولون عن أنفسهم بأنهم إصلاحيون، إنها الكلمة التي نطق بها أجدادهم من قبل، {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} فتحت تيار الإصلاح ولواء الإصلاح وباسم الإصلاح والإصلاحيين هكذا يظهر هؤلاء، الآية صريحة جدًا، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} . فيزعمون أنهم تيار إصلاحي وتارة يقولون تيار تنويري أو تيار تجذيبي ونحو ذلك من الأسماء التي يخادعون بها خلق الله تعالى، والله عز وجل قد بين حالهم بيانًا صريح لما رد على ادعائهم بالإصلاح بقوله: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} .هم المفسدون، إذًا فعلهم ليس بإصلاح، وإنما هو إفساد، إفساد في الأرض بجميع ما تحوي هذه الكلمة من معاني، إفساد الأعراض إفساد الأموال