إلا أن فهم الترتيب على أنه العناية المقصودة من الفهم، لاقى اعتراضا من قبل الأصوليين. وذلك لأن إفراد اسم الله تعالى بالذكر بواسطة الواو للتعظيم لا للترتيب. ففي المثال السابق أن معصية الرسول هي عينها معصية الله. فلا وجه للترتيب، فالتقدم يجوز عقلا بين معصية الله ورسوله، باعتبار أن معصية الله ممنوعة بالذات، ومعصية الرسول لأجل كونها معصية الله (45) . كما أن فهم الترتيب من معنى الواو في مسألة الحج والعمرة في قوله تعالى: { وَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ } (46) ، أن المقصود من تقديم الحج على العمرة هو أن (الواو) للأعم، أي للجمع المطلق فلو وضع مكانها (الفاء) لم يكن الكلام مستقلا، فالواو توجب، حيث إنه للتعقيب مع الوصل. فلو كان موجب الواو الترتيب لم يختل الكلام بذكر الفاء مكانه (47) . كما استدلوا على أن (الواو) لا تفيد الترتيب، بأنها لو أفادته لدخلت في جواب الشرط كالفاء، ومعلوم أنه لا يحسن أن يقول قائل:"إذا دخل زيد الدار و أعطه درهما" (48) .كما أن النصوص التي تتعلق بالوضوء والغسل والمسح التي فهم منها الترتيب، تتعارض مع نصوص أخرى مخالفة لذلك الترتيب، كقوله تعالى: { وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعين } (49) . وفي مناقشة الأصوليين لترجيح المعاني التي يذهبون إليها يوردون قواعد ضابطة منها:
- (العطف على القريب أولى من العطف على البعيد) (50) .
أي أن الواو تفيد معنى العطف وضعا مع مراعاة القريب فيه. فقوله تعالى: { إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } (51) فإن مراعاة الترتيب بينهما ليس باعتبار هذا النص حيث إن فيه بيان أنهما من شعائر الله، بواسطة العطف ولا ترتيب في هذا، وإنما قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) :"ابدأوا بما بدأ الله تعالى"وذلك على وجه التقريب إلى الأفهام ، لا لبيان أن الواو توجب الترتيب (52) .