وتأمل تلك التضحية في سبيل الفكرة التي لا تمثل قمة النضج فقط، بل إن الموت في سبيلها كان من أعظم صور النصر، وذلك بانتصار الفكرة، حين مات الغلام على يد الساحر؛ كما جاء في قصة )الغلام والراهب (( 5) . وتدبر مغزى هذا التوجيه الرباني، لخير الأجيال، حينما أصابهم الخور عندما سرت إشاعة مقتله -صلى الله عليه وسلم- أثناء محنة أُحُد؛ وذلك حتى يرتبطوا بالفكرة لا بالشخص ولو كان خير من وطئ الحصى -صلى الله عليه وسلم-: (( ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ومَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) ) [آل عمران: 144] .
وتدبر أيضًا سنة الله - عز وجل - في هذا القانون الشاق، (قانون الخروج) ، أو المرحلة التي لا بد منها، في طريق أصحاب الدعوات، والذي لفت إليه نظر الحبيب -صلى الله عليه وسلم- عن طريق ورقة بن نوفل، في أول خطواته الدعوية، عندما )قال: يا ليتني فيها جذعًا - أي شابًا جلدًا - إذ يخرجك قومك، قال: أو مخرجي هم؟! قال: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي (( 6) .
وتدبر كذلك قصة يوسف عليه السلام وما تمثله من نموذج للخروج والابتلاء قبل التمكين، ومغزى نزولها في الفترة الحرجة من عمر الدعوة بين عام الحزن، وبين بيعة العقبة الأولى، ثم الثانية، التي جعل فيهما الفرج والمخرج لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وللعصبة المؤمنة معه وللدعوة الإسلامية، بالخروج والهجرة إلى المدينة.