ومن هذه اللمحة الإبراهيمية التربوية، يستشعر الداعية أهمية (الشرط الكمي) للمشروع الحضاري المنشود لإنقاذ الأمة، أي ضرورة العمل الجماعي، وأهمية انتقاء الأفراد المشاركين؛ فالتنفيذ يستلزم جماعية، والجماعية لا يقوم عليها إلا من أعد لها.
وهذا الملمح يرسم تحذيرًا يربأ بالداعية عن خطر الفردية، ويذكره بمصير الشاة القاصية، كما حذّر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة) (3) .
وهو أيضًا، يرسم ويخط أملًا عظيمًا، وغاية منشودة: (من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة) (4) .
الشرط المكاني... الأرض:
أهمية وجود نقطة تجميع وانطلاق: وهذا المرتكز الدعوي والمعلم المهم نستشعره من قوله ـ سبحانه ـ وهو يقص على أجيال حملة المنهج الإلهي في كل عصر وفي كل مكان تلك الخطوة المهمة في تاريخ هذا العمل العظيم، والمشروع الكبير: (( وَإذْ بَوًَّانَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ ) ) [الحج: 26] ، (( وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ ) ) [البقرة: 127] .
هكذا أراد الحق ـ سبحانه ـ أن تكون الخطوة العظيمة في هذا العمل العظيم، أن يُحدد المكان المختار، وأن تُحدد له الأرض التي سيقام عليها.
فلا بد من مركز تجميع وانطلاق، مركز يجتمع حوله المؤمنون بالفكرة، ويثوبون إليه، ويحتمون به. وهو في الوقت نفسه مركز لانطلاق الفكرة؛ فراية الخير تحتاج إلى مكان توضع عليه، ويُعرف بها.
وأي فكرة وإن كانت صحيحة وأصيلة لا بد لها من عوامل تجعلها فعالة، ولا بد لها من شروط تجعلها قابلة للتنفيذ.
وأهم هذه الشروط هو وجود الأرض التي ستترجم عليها عمليًا، ثم تنطلق منها.