الصفحة 27 من 358

ثم إن اللغة العربية مثلما لم تواجه الحاجة إلى المصطلح للمرة الأولى في هذا العصر، بل سبق لها أن واجهت هذه الحاجة في القرن 2 هـ، في عصر ازدهار الترجمة أيام العباسيين. لأن العرب، آنذاك أيام الرشيد والمأمون لم يخطر لهم التنبه أن يهجروا لسانهم، الذي كانوا يعتزون به أيما اعتزاز فصاحة لفظ وروعة بيان، ليطلبوا العلوم التي وجدوها متقدمة، قياسًا على ما كانت عليه عندهم، بإحدى اللغات التي كانت تلك العلوم مدونة بها كاليونانية والفارسية والهندية، كما فعل بعض العرب في العصر الحديث الذين توهموا ومازالوا أن لغتهم تضيق بالعلوم المعاصرة، بل عمدوا دون تحرج أو تردد، ومن موقع الثقة بالنفس إلى نقل العلوم من اللغات المختلفة إلى اللغة

العربية"36."

كما يحسن بنا التذكير، بأن ترجمة المصطلحات ظهرت لدى العرب في عهد بني أمية، ولكن أفقها لم يتسع إلا في عهد العباسيين، حيث جعلت منشطًا من مناشط الدولة يحظى بدعمها المعنوي والمادي. فيذكر في هذا المساق ما أتاه الخليفة المنصور من ديوان للترجمة الذي وسعه الرشيد، وما أتاه الخليفة المأمون في"بيت الحكمة"الذي كان بمنزلة المجمع العلمي والمرصد الفكري والمكتبة العامة التي أقام فيها طائفة من المترجمين وأجرى عليهم الأرزاق من بيت المال37.

وهكذا ترجمت المعارف عن الهندية والفارسية، واغترف العرب من كتب الإغريق ما يناهز مئة كتاب في الرياضيات وفي الطب. الأمر الذي جعل اللغة العربية لغة علمية بل لغة صالحة للتعبير عن بعض موضوعات العلوم الحديثة. وعلى الرغم من هذه الجهود، فلم تكن في ذلك العهد مجامع لغوية أو لجان جامعية أو مكاتب للتعريب أو دوائر معاجم تلّم مثل هذه الجهود، وظل المعيار الرئيس في هذه العملية هو الترجمة كحد فاصل يقتضي صياغة اللفظة العربية بدقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت