الصفحة 23 من 51

جهنم مع مَنْ عبده؟ فنحن نعبد الملائكة, واليهود تعبد عُزيرًا, والنصارى تعبد المسيح بن مريم. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله, ورأوا أنه قد احتجَّ وخاصم. فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( كلُّ مَنْ أحبَّ أن يُعْبد من دون الله فهو مع مَنْ عبده. فإنهم يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته ) )فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] [1] ومع ذلك فإن العرب كانوا لا يهتمون بالمسائل الدينية, وليس في أدب العرب شيء من مسائلها إلا قليل. فمثلًا النضر بن الحارث كان يتكلم على أساطير كسرى فارس ورستم واسفنديار [2] , ولا يتحدث عن قصص الأنبياء. ويفهم من هذا أنَّ الحياة الدنيا كانت تجذبهم دائمًا, ولا يهتمون بالدين ولا الديانة, فهم كانوا وثنيين بنسبة تسعة وتسعين بالمائة؛ ولذلك لا يمكن تصور تأثيرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم ولا بالدين القيم. وتأسيس الدين القيم على الدين المحرف يشبه بناء القصر العالي من بقايا الزلزلة الشديدة التي تخرب كل بناء مع ما فيه.

النوع الثاني: أن القوم الذين أبرز وصفهم أميةٌ لا يمكن أن يكونوا معلمين للرسول صلى الله عليه وسلم باعتقادهم وخلقهم ومعاملاتهم وأفكارهم.

فالحقيقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لمَ يدَّعِ أنه أتى بدين جديد أصلًا. إنَّ القرآن نزل مصدِّقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل, وما أنزل على

(1) انظر تفسير ابن كثير, عند تفسير الآيات (98 - 103) من سورة الأنبياء.

(2) انظر تفسير الآية 57 من سورة الزخرف من تفسير ابن كثير ج: 7؛ ص: 220

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت