والمراد بسبب النزول: ما كان صريحًا في السببية، ويظهر ذلك من خلال النصّ المروي في السبب؛ كأن يقول الصحابي: كان كذا وكذا فنزلت الآية، أو يقع سؤال فينزل جوابه، أو غيرها مما يمكن معرفته من خلال النص بقرائن تدل على السببية الصريحة.
2-معرفة أحوال من نزل فيهم القرآن:
إن معرفة هذه الأحوال تفيد في درايتهم بقصة الآية، الذي هو أشبه بسبب النزول، بحيث لو فقدت هذه المعرفة لوقع الخطأ في فهم المراد بالآية، كما وقع لعروة بن الزبير (رضي الله عنه) في فهم قوله (تعالى) : (( إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أََن يَطَّوَّفَ بِهِمَا.. ) ) [البقرة: 158] .
قال عروة: (قلت لعائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- ـ وأنا يومئذ حديث السّن ـ أرأيتِ قول الله(تبارك وتعالى) : (( إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أََوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أََن يَطَّوَّفَ بِهِمَا.. ) ) [ البقرة: 158] فما أرى على أحدٍ شيئًا ألا يطّوف بهما.
فقالت عائشة: كَلاّ، لو كانت كما تقول كانت: (فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما) ، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار: كانوا يُهِلّون لمناة ـ وكانت مناة حَذْوَ قُدَيدٍ ـ وكانوا يتحرّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فأنزل الله: (( إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أََوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أََن يَطَّوَّفَ بِهِمَا.. ) ) [البقرة: 158] ) (2) .
ويلحظ من هذا المثال: أن سبب النزول قد يكون من أجل حالٍ من أحوال من نزل فيهم الخطاب من العرب أو اليهود، وبهذا يكون المثال صالحًا للتمثيل به في الأمرين.