الصفحة 12 من 186

وبيان كلام الأستاذ حفظه الله أنه قد يكون إدخار اللحم الذي يترتب عليه فساده وإخنازه مجهولًا للأمم قبل بني إسرائيل، لم يعتادوه ولم يعرفوه، كما قد تكون طرق كثيرة لإدخار اللحم وحفظه مجهولة لآن لأمم عظيمة، وإن كانت معروفة لأمم أخرى. والأمم الآخذة بآفاق الحضارة اليوم تعرف طرقًا لإدخار اللحوم على إختلافها، وإدخار سائر الأطعمة لا تعرفها الأمم البدوية أو الناشئة في الحضارة، فكانت الأمم قبل بني إسرائيل لا تعرف أن اللحوم تخزن و تدخر، فما كانت تفعله، فما كان الفساد ولا الإخناز يتناوله. فلما جاءت بنو إسرائيل ورغس الله لهم النعم والآلاء رغسا، وصب عليهم خيراته وبركاته، وأنزل عليهم المن والسلوى، وهي أنواع من لحوم الطير الفاخرة، تأتيهم صباح مساء، لم يكن شكرهم لهذه النعم التي فضلهم بها على العالمين إلا الكفران، والإمساك، والشح، الذي لا داعي له إلا اللحازة وسوء الجبلة، بخلو وخافوا إنقطاع ما هم فيه من نعيم، ففكروا في الإدخار، فهذاهم شحهم وهلعهم إلى أن خزنوا المأكولات وخزنوا المن والسلوى فأصيب بالفساد والإخناز شأن اللحوم. ولا تنس أن القوم كانوا جاهلين ولا بد طرق الإدخار التي يبقى معها اللحم سليما من الفساد، لأن الناس لم يتسعوا إذ ذاك في فنون الإمساك وفنون المأكولات سنة النشوء والإرتقاء .

هذا ما كان من بني إسرائيل. فجاءت الأمم بهدهم ، وأخذت مأخذهم فيما إبتدعوا و شرعوا من إمساك وإدخار، فادخر الناس اللحوم فأخنزت كما هي اليوم ، وهذا يشبه قوله عليه السلام"لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على إبن آدم الأول كفل من ذلك لأنه أول من سن القتل"وهذا الحديث شبيه بأن نقول: لولا الفرنج لما طار العراقيون والحجازيون والمصريون بالطيارات ، ولما تخاطبوا وبينهم المسافات التي تهلك فيها الأشواط والأصوات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت