الصفحة 54 من 72

قبلُ، وأما كراهة من كره صومه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين في غير عرفة ولغير الحاج فإن كراهته ذلك له لما تقدم بياننا من إيثارهم الأفضل من نفل الأعمال على ماهو دونه، ولعل من كره ذلك منهم إنما كرهه إذ كان الصوم يُضْعِف المجتهد عن الاجتهاد في الدعاء، فآثر الفطر ليتقوى به على الدعاء ..

وبعد: فإنّ كراهة الصوم ذلك اليوم لمن صامه غير مجمع عليه، بل ذلك مختلف فيه، وقد اختار صومه على إفطاره جماعة من الصحابة والتابعين، حتى لقد صامه جماعة منهم بعرفة، ففي ذلك الدليل الواضح على صحة قولنا من إفطار من أفطر منهم، وكراهة من كره صومه منهم؛ إنما كان إيثارًا منه غيره من نفل الأعمال عليه، وإبقاءً منه على نفسه ليتقوى بالإفطار على الدعاء والاجتهاد في العبادة )) [1] .

وقال الطحاوي-رحمه الله-:

(( فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ(يعني حديث عقبة) إدْخَالُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ عَرَفَةَ فِي أَيَّامِ أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ , وَإِعْلَامُهُ إيَّاهُمْ أَنَّهُ يَوْمُ طُعْمٍ وَشُرْبٍ كَمَا أَعْلَمَهُمْ فِي بَقِيَّتِهَا أَنَّهَا أَيَّامُ طُعْمٍ وَشُرْبٍ. فَتَأَمَّلْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَا سَائِرَ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سِوَى يَوْمِ عَرَفَةَ مَخْصُوصَةً بِمَعْنًى يُتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - بِهِ فِيهَا مِنْ صَلَاةٍ , وَمِنْ نَحْرٍ , وَمِنْ تَكْبِيرٍ يَعْقُبُ الصَّلَوَاتِ الْفَرَائِضَ اللَّاتِي يُصَلِّي فِيهَا فَكَانَتْ بِذَلِكَ أَعْيَادًا لِلْمُسْلِمِينَ , وَلَمْ يَجُزْ صَوْمُهَا لِذَلِكَ.

وَوَجَدْنَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِيهِ أَيْضًا سَبَبُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لِلْحَجِّ , وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي سَائِرِ

(1) "تهذيب الآثار" (القسم الأول من مسند عمر: ص203) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت