الصفحة 45 من 72

واحد يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - صامه، فهل يمكن لأحد أن يقول: إنه لا يشرع صوم الست لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت عنه صومها؟!

لا أعلم أحدًا يقول بهذا بناء على هذا المأخذ الأصولي، وأما خلاف الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في هذا فلأنه لم يكن يرى مشروعية صيامها، ليس بناء على هذا المأخذ، وإنما لأسباب أخرى معلومة عند أهل العلم، وليس هذا المقام مناسبا لذكرها [1] .

وقل مثل هذا في سنن كثيرة العمدة فيها على عموميات قولية، لم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - فعلها بنفسه، كصيام يوم وإفطار يوم، وغيرها من الأعمال الصالحة.

فهل يُعلّ ويُبطل الحديث بمثل هذا؟!

وهكذا فأنت ترى عظم فساد هذا المسلك وخطورته!!

الوجه الثالث: قال ابن حزم -رحمه الله:

(( أَمَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَصُمْهُ فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ عليه السلام قَدْ حَضَّ عَلَى صِيَامِهِ أَعْظَمَ حَضٍّ , وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ , وَمَا عَلَيْنَا أَنْ نَنْتَظِرَ بَعْدَ هَذَا أَيَصُومُهُ عليه السلام أَمْ لَا؟ .. ) ) [2] .

الوجه الرابع: هذا لو سلمنا جدلًا بصحة دعواه أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصم يوم عرفة، كيف وقد ورد أنه كان يصوم يوم عرفة اليوم التاسع من ذي الحجة:

فعن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت:

(( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر؛ أول اثنين من الشهر والخميس ) ) [3] .

(1) وقدبينت هذا مفصّلًا -ولله الحمد-في رسالتي"دفع التعسف والإشكال عن صيام الست من شوال"يسر الله نشرها.

(2) "المحلى" (4/ 439) .

(3) أخرجه أبوداود (2437) ،والنسائي في"الكبرى" (2/ 135) ،وأحمد (5/ 271) و (6/ 288و423) ،والبيهقي في"السنن الكبرى" (4/ 284) ،وفي"شعب الإيمان" (7/ 340 - 341) ،وفي"فضائل الأوقات" (ص346 - 347) .

وقد اختلف فيه على هنيدة بن خالد: فرواه عن امرأته عن بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وروى عنه عن حفصة، وروى عنه عن أم سلمة.

وانظر:"نصب الراية" (2/ 103) ،و"لطائف المعارف" (ص461) ،"فتح الباري" (2/ 543) ،و"إرواء الغليل" (4/ 111) .

ومع هذا فقد صححه الألباني في"صحيح أبي داود" (2/ 462) .

(2) أخرجه أحمد (6/ 287) ، والنسائي في"الكبرى" (2/ 135) ،وابن حبان (14/ 332) ،وأبويعلى في"مسنده" (12/ 469) ،والطبراني في"الكبير" (23/ 205و216) ،وفي سنده الاختلاف السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت