سمعت مسلما يقول: (( عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علّة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس له علّة خرجته ) ) [1] .
وهذا منه -رحمه الله- غاية في الاحتياط والتثبت من جهة، وفي التواضع وقصد الصواب من جهة أخرى، ونتيجة لهذه العناية التامة التي تجلَّت في تلك الأدلة انشرح صدر الإمام مسلم لهذا النتاج القيم وارتاحت نفسه لذلك فأخذ يرغب الناس فيه ويؤكد أنّ كتابه عمدة يعوَّل عليه في معرفة الصحيح:
فعن مكي بن عبدان قال: سمعت مسلم بن الحجاج يقول:
(( لو أنّ أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث فمدارهم على هذا المسند"- يعني صحيحه- ) ) [2] ."
ثناء العلماء على الرواة المخرَّج لهم في"صحيح مسلم"،وأجابتهم عن انتقاد بعض الحفاظ بعض الرواة في الصحيح:
قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-:
(( ورواتُهما -يعني الصحيحين- قد حَصَلَ الاتِّفاقُ على القَوْلِ بتَعديلِهِمْ بطريقِ اللُّزومِ، فهم مُقَدَّمونَ على غيرِهم في رِواياتِهم، وهذا أَصلٌ لا يُخْرَجُ عنهُ إِلاَّ بدليلٍ ) ) [3] .
وقال الإمام ابن دقيق العيد-رحمه الله-في مبحث (معرفة الثقات من الرواة) :
(( ولمعرفة كون الراوي ثقةً، طرُقٌ ) )وذكر من بينها ما نَصُّه:
(( تخريج الشيخين أو أحدهما في"الصحيح"للراوي محتجّين به، وهذه درجة عالية، لما فيها من الزيادة على الأول، وهو إطباق جمهور الأُمَّةُ أو كلهم على تسمية الكتابين بالصحيحين، والرجوع إلى حكم الشيخين بالصحة.
وهذا معنى لم يحصل لغير من خُرِّج عنه في"الصحيح"فهو بمثابة إطباق الأمة أو أكثرهم على تعديل من ذكر فيهما وقد وجد فيها هؤلاء الرجال المخرج عنهم في الصحيح من تكلَّم فيه بعضهم.
وكان شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن المَقْدِسي يقول في الرجل الذي يُخَرَّج عنه في الصحيح: هذا جَاز القَنْطَرَةَ. يعني بذلك أنه لا يُلتفتُ إلى ما قيل فيه، وهكذا نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلاَّ ببيان شافٍ وحجَّة ظاهرة )) [4] .
وقد تكلم في بعض الرواة الذين خرّج لهم مسلم وعدتهم مائة وستون رجلًا وذلك الكلام لا يقدح في"صحيحه"ولا يحط من شأنه لأنه:
أولاـ قد يكون القدح غير مؤثر.
قال الخطيب البغدادي -رحمه الله- وغيره:
(( ما احتج البخاري ومسلم به من جماعة عُلِمَ الطعن فيهم من غيرهم، محمولٌ على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسَّر السبب ) ) [5] .
وقال الإمام الذهبي -رحمه الله-:
(1) "تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم"للحاكم (281) ،"صيانة صحيح مسلم" (ص68،98) ،"شرح النووي على صحيح مسلم" (1/ 15،26) ،"سير أعلام النبلاء" (12/ 568) .
(2) "صيانة صحيح مسلم" (ص68) ،"شرح النووي على صحيح مسلم" (1/ 15) ،"سير أعلام النبلاء" (12/ 568،579) .
(3) "نزهة النظر شرح نخبة الفكر" (ص61) .
(4) "الاقتراح في بيان الاصطلاح" (ص326 - 327) .
(5) "شرح النووي على صحيح مسلم" (1/ 25) .