وأيضًا تشاهد أن هذا البيت من عتقه في الدنيا أن الله -عز وجل- لم يأذن للبشر-إذنًا كونيًّا- بعبادة هذا البيت فالبشر عندما تنتكس فطرتهم يعبدون كل شيء، يعبدون الأحجار والأشجار وغير ذلك، وكل معظم لديهم يغالون في تعظيمه حتى يعبدونه من دون الله، وإذا لم يجدوا حجرًا جمع أحدهم ترابًا ثم احتلب عليه شاةً فإذا يبس عبده من دون الله، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كما وصف عن نفسه في الجاهلية يتخذ صنمًا من التمر فإذا جاع أكله، وعمل صنمًا آخر، وهكذا. لكنهم مع هذا كله حال الله بينهم وبين أن يعبدوا البيت العتيق؛ لأن الله شرفه وعظمه، فلم يكن ليعبد من دون الله، ومع هذا فإنهم جعلوا عليه الأصنام فحين هاجر الرسول -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة كان على البيت ثلاثمائة وستون صنمًا.
وكذلك تجد هذا الحجر الذي هو آيةٌ من آيات الله أنزل من الجنة وما زال من عهد آدم إلى وقتنا هذا موجودًا، تمر عليه قرون الدنيا المتطاولة وهو باقٍ في مكانه، وقد أخرجه القرامطة إلى الأحساء، ومكث عندهم عشرين سنة، وعندما نقلوه من مكة نقلوه على خمسين بعيرًا؛ يحملونه في الصباح على بعير، فإذا جاء وقت الزوال مات البعير، فيحملونه على آخر وهكذا، فمات تحته خمسون بعيرًا من مكة على الأحساء فلما انتزعه منهم الخليفة العباسي، أعاده من الأحساء إلى مكة على بعير واحدٍ هزيل فحمله حتى أوصله إلى مكانه.
مقام إبراهيم:
وتجد أيضًا هذا المقام: مقام إبراهيم الذي فيه موطئ قدميه عندما كان يبني الكعبة، فيصعد به الحجر كلما تطاول البنيان، كأنه سلمٌ كهربائي، ومن عصر إبراهيم إلى عصرنا هذا وهو موجود هنا ولذلك يقول فيه أبو طالب عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
وثورٍ ومن أرْسى ثَبيرًا مكانه *** وساع ليرقى في حِراءَ ونازل
وموطيءِ إبراهيمَ في الصَّخر رطبةً *** على قَدميِه حافيًا غَيَر ناعِلِ (18)