ثم عندمَا تنطلق إلى عرفات تستشعر أن هذا الوادي الذي يسمى بطن نعمان وهو وادي عرفات هو الذي مسح الله فيه ظهر آدم بيده الكريمة فأخرج منه ذريَّة فقال: أي ربِّ من هؤلاء قال خلق من ذريتك خلقتهم للنار وبعمل أهل النار يعملون ثم مسحه مرةً أخرى فأخرج منه ذرية فقال: أي ربَّ من هؤلاء: فقال خلق من ذريتك خلقتهم للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون (29) ، ثم دعاهم أجمعين فقال ألست بربكم؟ قالوا بلى جميعًا، هذا في عالم الذر، أما المؤمنون فقد بقوا على هذا العهد الذي أشهدوا الله عليه فما زالوا يجددون العهد في كل سنة يتوافدون إلى هذا المكان ليعلنوا أنهم يقرون لله تعالى أنه ربهم، يتذكرون أنه خاطبهم في هذا المكان بقوله:"ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى" [الأعراف:172] . فلذلك يجددون هذا العهد مع الله، وهو العهد الذي تجدده أنت في كل صباح ومساء بما أمرك به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث سيد الاستغفار"اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت" (30) الحديث، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت هو هذا العهد القديم الذي كان في عالم الذر الذي قال الله فيه:"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ" [الأعراف:172] .
ثم تتذكر هذا الموقف العظيم الذي هو أعظم يوم في السنة ولم يمر على الشيطان يوم في السنة أخزى فيه منه، ولا على العباد يوم أكثر مغفورًا لهم فيه من هذا اليوم.
والناس فيه يستقبلون عثراتهم ويبكون ويتوجهون إلى الله بقلوب خاشعة وفيهم المقبولون ومن سواهم، وفيهم من يرجع كما أتى أو شرا مما أتى.