... ونظير هذا في مسافر الدنيا كمن ملك الزاد والراحلة، واشتاق للسفر ومباهجه، ولكنه تعلق بخيط يشده من زوجة لا يريد فراقها، أو ولد يعز عليه تركه، أو تجارة لا يريد مبارحتها، فكذلك الداعية المسافر إلى ربه، قد يملك زاد الرحلة وكفاية العمل، كما يملك إخلاص النية ووضوح الطريق، ولكن علائق الدنيا، وثقلة الأرض وجاذبية الحياة، تشده إليها، فيبرر القعود بالتمسك بالتعود، وترك النهوض إلى معالى الأمور، فيجذبه النوم الهادئ الرغيد، وتقعده الوظيفة المسترخية، وتتزين له الدنيا ببهرجها وزينتها، وينسى أن الدنيا كلها لا تساوى عند الله جناح بعوضة، وأنه تعالى ادخر لعباده ما لا أذن سمعت ولا عين رأت، وأن الله تعالى أعد للمتقين جنات عرضها كعرض السموات والأرض0
... والداعية الهمام يدرك أن الوصول للغاية المحبوبة يتضاءل عندها كل ما يبذل لأجلها، ويضع نصب عينيه النعيم الخالد ولا يتعلق بأهداب الدنيا التافهة التى يتكالب عليها الناس ومصيرهم جميعًا إلى القبور، وتاركين وراءهم جميع المألوف والمحبوبات، فإذا ما أدرك الداعية المؤمن ذلك، فقد قطع العلائق بين قلبه وجواذب الأرض، وراح مسرعًا لطلب رضا الله عز وجل (ركضًا إلى الله بغير زاد 00) 0
عليك بحفظ الهمة
... والتخلص من العوائد والأوضاع التى استحدثها الناس، وهجر الوائق التى تصدعن عن قطع الطريق، والتجرد عن علائق القلب التى تحول بين الداعية المسافر ومبتغاه، وتحول بين قلبه وبين تجريد التعلق بالهدف، لابد له من ترك الفضول، والأخذ بالعزيمة، والسعى للأهم، ويترك ما يشغله عن المقصود من الطعام والشربا، وفضول الخلطة والسأم، ويأخذ من زاد السفر ما يعين على الطلب، ويرفض ما يقطع عنه الأخذ، وترك الأمور الثلاثة مدارها على أمرين هما النية والهمة، وبهما يحصل المطلوب الأعلى، فكانت النية بداية زاد المسافر، وهمته أولها0