... وهكذا، فالداعية يفهم المراحل، ويعمل لهدف كل مرحلة متزودًا لكل مرحلة بما يعينه عليها، مدركًا طبيعة المراحل، ولا تغيب عن ناظريه طبيعة الطريق الذى يسلكه، كما يدرك الطريق الذى يسلكه دعاة الشيطان، فلا يستحث المسير دون سبب، ولا يتقاعس عن السير دون مبرر، ويعلم أن ( المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى) كما يعلم أن ساعات عمره تعد عليه، وسوف يحاسب على عمره فيم أفناه، ويربأ بنفسه لتشبه بأهل الكفر والفسوق والعصيان في اللهاث السريع، بل يصرخ { وعجلت إليك رب لترضى } (طه: 84) والداعية الواعى لا يجره نسيان أصل الغاية الواسعة، والأهداف الكبيرة وغاية السير أن يلتهى بالجزئيات، والخلافات البسيطة، أو أن يحرص على مكاسب جزئية، وبالتالى فلن يكون الداعية ممن يهزه الكسب السريع، أو يوقفه الإغراء المؤقت، وعليه أن لا يعيش على أنغام المترخصين الكسالى، وأنه لا تطريه غوغاء المتهورين العجالى، وعليه أن يرنو ببصره دومًا إلى الأمام مشتاقًا إلى نهاية المرحلة، حتى يندفع إلى مرحلة أخرى، حتى يصل قرير العين مطمئن القلب، وهناك يحمد القوم السرى0
معرفة الطريق
... ولابد للقاصد السفر من استجماع الهمة، وحفظ العزيمة لاجتناب الموانع وتحدى العوائق، وأن يأخذ من جملة الزاد الذى يحمله القوة العلمية بما تتضمنه من فقه للطريق، ومعرفة بالدرب، وهو للداعية معرفة الواقع الذى يعيش فيه، لا أن يعرف الأحكام ولا يعرف تطبيقها، ويحفظ الألفاظ ولا يدرك مراميها، ويلهج بالأحكام ولا يغوص إلى عللها، فالشريعة نزلت لتحكم في عالم الواقع، ولتحقق مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهكذا فالمسافر إلى ربه لا يتم سيره أو يعرف مقصوده إلا بالقوة العملية التى تضئ درب المسير، وتوضح طريق المقصود0