يقولُ صاحبُ الظلال:"كانت هذه الشخصيةُ تنضجُ وتنمو ، وتتضحُ سماتُها . وكانت الجماعةُ المسلمةُ التي تتكونُ من تلكَ الشخصياتِ تبرزُ إلى الوجودِ بمقوماتِها الخاصةِ ، وَقِيَمِهَا الأصيلة . وطابِعِها المميزِ بين سائرِ الجماعات ."
وكانت الأحداثُ تشتدُّ على الجماعِة الناشئةِ حتى لتبلغ أحيانًا درجة الفتنة ، وكانت فتنةً كفتنةِ الذهبِ ، تفصلُ بين الجوهرِ الأصيل والزَّبَدِ الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها .
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه ، يصور الأحداثَ ، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه ، فتنكشف المواقفُ والمشاعرُ ، والنوايا والضمائرُ ، ثم يخاطبُ القلوبَ وهي مكشوفةٌ في النورِ ، عاريةٌ من كل رداء وستار؛ ويلمس فيها مواضعَ التأَثُّرِ والاستجابةِ ؛ ويربِّيها يومًا بعد يوم ، وحادثًا بعد حادثٍ ؛ ويُرَتِّبُ تأثُّرَاتِهَا واستجاباتِها وفقَ منهجِهِ الذي يريدُ .
أخذهم اللهُ بالتجارب والابتلاءات ، والفتن والامتحانات ؛ لأن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغةً سليمة ، ولا تنضج نضجًا صحيحًا ، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية ، التي تُحْفرُ في القلوبِ ، وتُنْقَشُ في الأعصابِ ؛ وتأخذُ من النفوسِ وتعطِي في معتركِ الحياةِ . أما القرآنُ فيتنزلُ ليكشفَ لهذه النفوسِ عن حقيقةِ ما يقعُ ودلالتِهِ ؛ وليُوَجِّهَ تلك القلوبَ وهي منصهرةٌ بنار الفتنةِ ، ساخنةً بحرارةِ الابتلاءِ ، قابلةً للطَّرْقِ ، مطاوعةً للصياغة !" (2) ."
يأتي النصُّ القرآنيُّ مُعالجا للحدث التاريخيِّ ، مع إبرازِ الدروسِ والعبر التي تظلُّ مناراتٍ وبصائرَ للأمة تقتبس منها ما يُصلحهُا في حاضرِها ومستقبلِها .