وقد بيّن ابن القيم رحمه اللَّه معنىهذه القلوب فقال: ( وقوله"قلب أجرد"أي متجرد مما سوى اللَّه ورسوله ، فقد تجرد وسلم مما سوى الحق. و"فيه سراج يزهر"وهو مصباح الإيمان: فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات الباطل وشهوات الغي ، وبحصول السراج فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم والإيمان، وأشار بالقلب الأغلف إلى قلب الكافر، لأنه داخل في غلافه وغشائه ، فلا يصل إليه نور العلم والإيمان ، كما قال تعالى ، حاكيًا عن اليهود: ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (( 1) وهو جمع أغلف ، وهو الداخل في غلافه ، كقُلْف وأقلَف ، وهذه الغشاوة هي الأكِنّة التي ضربها اللَّه على قلوبهم، عقوبة لهم على رد الحق والتكبر عن قبوله. فهي أكِنَّة على القلوب وَوَقرٌ في الأسماع ، وعمىً في الأبصار، وهي الحجاب المستور عن العيون في قوله تعالى: ( وَإذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا . وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا (( 2) . فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة ، ولَّى أصحابها على أدبارهم نفورًا .
وأشار بالقلب المنكوس -وهو المكبوب- إلى قلب المنافق ، كما قال تعالى: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا((3) . أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه ، بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة. وهذا شر القلوب وأخبثها، فإنه يعتقد الباطل حقًا ويوالي أصحابه، والحق باطلًا ويعادي أهله ، فاللَّه المستعان .
(1) سورة البقرة ، الآية: 88 .
(2) سورة الإسراء ، الآيتان: 45 ، 46 .
(3) سورة النساء ، الآية: 88 .