التجريح بلا دليل؟ والجواب: أن الدافع لا يخلو: إما أن يكون الدافع (عداوة عقدية في حسبانه) فهذا لأرباب التوجهات الفكرية والعقدية المخالفة للإسلام الصحيح في إطار السلف، وهؤلاء هم الذين ألقوا بذور هذه الظاهرة في ناشئتنا .... ولهذا كثرت أسئلتهم عن فلان وفلان ثم تنزلت بهم الحال إلى الوقوع فيهم. وكأن ابن القيم رحمه الله تعالى شاهد عيان لما يجري في عصرنا إذ يقول [1] :"ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالًا ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب! وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات لا يبالي ما يقول"انتهى.
أو يكون الدافع (داء الحسد والبغي والغيرة) وهي أشد ما تكون بين المنتسبين إلى الخير والعلم، فإذا رأى المغبون في حظه من هبوط منزلته الاعتبارية في قلوب الناس وجفولهم عنه بجانب ما كتب الله لأحد أقرانه من نعمة - هو منها محروم - من القبول في الأرض، وانتشار الذكر، والتفاف الطلاب حوله، أخذ بتوهين حاله، وذمِّه بما يشبه المدح: فلان كذا إلا أنه .... !
ومن هنا تبتهج النفس بدقة نظر النُّقَّد؛ إذ صرفوا النظر عما سبيله كذلك من تقادح الأقران، ولهذا تتابعت كلمات السلف كما روى بعضًا منها ابن عبد البر رحمه الله تعالى بأسانيده في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومالك بن دينار، وأبي حازم رحمهم الله تعالى، ومنها:"خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة!!") ... [ص 32 - 35] .
و قال: (وإذا كانت هذه الظاهرة مع شيوعها وانتشارها واهية السند، فمن هو الذي تولى كبرها، ونفخ في كيرها، وسعى في الأرض فسادًا بنشرها، وتحريك الفتن بها، والتحريش بواسطتها؟؟! والجواب: هم أرباب تلك الدوافع، ولا تبتعد فتبتئس، وخلِّ عنك التحذلق والفجور، نعوذ بالله من أمراض القلوب. والنفس لا تتقطع حسرات هنا، فإن من في قلبه نوع هوى وبدعة، قد عُرِفَت هذه الفعلات من جادتهم التي يتوارثونها على مدى التاريخ، وتوالي العُصُر، وقد نبه على مكايدهم العلماء، وحذَّروا الأغرار من الاغترار) [ص 38 - 39] .
و قال: (ولكن بلية لا لعًا لها، وفتنة وقى الله شرها حين سرت في عصرنا ظاهرة الشغب هذه إلى من شاء الله من المنتسبين إلى السنة ودعوى نصرتها، فاتخذوا(التصنيف بالتجريح) دينًا وديدنًا فصاروا إلبًا على أقرانهم من أهل السنة، وحربًا على رؤوسهم وعظمائهم، يُلحِقونهم الأوصاف المرذولة، وينبزونهم بالألقاب المستشنعة المهزولة، حتى بلغت بهم الحال أن فاهوا بقولتهم عن إخوانهم في الاعتقاد والسنة والأثر: (هم أضر من اليهود والنصارى!!) و (فلان زنديق!) وتعاموا عن كل ما يجتاب ديار المسلمين، ويخترق آفاقهم من الكفر والشرك، والزندقة
(1) قال في الهامش: الداء والدواء (ص / 187)