فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 272

أما أولاهما فذكرى العلامة المفضال الشيخ أحمد الشرقاوي الهوريني رحمه الله، والذي لم أره إلا مرة واحدة: حين زار أبناءه وطلابه ومريديه وأحباءه بدمنهور، وتفقد شئونهم في منازلهم وبيوتهم، وقضى معنا ليلة لم يخرج فيها عن طبعه المألوف. وعرفت عن الرجل ما جعلني أكبره ولا أزال أذكره. عرفت عنه أنه أحب العلم والتعليم من كل قلبه فدفع إليه أهل بلدته، وكان يعين غير القادر على نفقات التعليم من ماله الخاص حتى يتم تعليمه، ثم بعد أن يتخرج يعمل على أن ينفق على طالب آخر من غير القادرين حتى يرد الدين - لا نقدًا، ولكن علمًا ومعرفة - وبهذه الطريقة لم يكن في هورين عاجز عن التعليم مهما كان أهله فقراء، ففد أغناهم جميعًا هذا التكافل العلمي، فضلًا عن تلك الرابطة الروحية التي كانت تجمع بين هؤلاء المتعلمين جميعا. وكانت متعة الرجل الوحيدة أن يتجمعوا من حوله، في الإجازة الصيفية فيرى عشرين أزهريا إلى جوار عشرين درعميًا - كما كان يسمى طلاب دار العلوم - إلى جانب خمسين من طلاب دار المعلمين الأولية.. إلى أعداد كثيرة من طلاب المعاهد على اختلاف أنواعها، يذاكرهم ويسامرهم ويورد عليهم الألغاز والاعتراضات، ويتلقى منهم الأسئلة والإجابات، ويشحذ بذلك الأذهان والهمم إلى الدرس والعلم والمعرفة، ومن هنا كان طلاب المعلمين الأولية بدمنهور الهورينيون عددًا عظيما، و قد زارهم زيادة تشجيعية قضاها في هذه النكات والمحاورات العلمية ولم أنج من أسئلته واعتراضاته وألغازه وإيراداته رحمه الله وأفسح له في جنته.

والذكرى الثانية ذكرى الشيخ صاوي دراز رحمه الله، وهو شاب فلاح، كان حينذاك لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، وقد توفي بعد ذلك إلى رحمة الله، ولكنه كان نادرا في الذكاء ودقة الفهم، وتصوير الأمور، أخذنا نتحدث عن الأولياء والعلم، وتطرق بنا الحديث إلى سيدي إبراهيم الدسوقي المجاور لبلدهم، ثم إلى سيدي أحمد البدوي بطنطا فقال: أتدري ما نبأ سيدي أحمد البدوي؟ فقلت له لقد كان وليًا كريمًا وتقيًا صالحا وعالما فاضلا فقال: ذلك فقط؟ هذا ما نعلم، فقال: اسمع وأنا أحدثك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت