في الإجازة الصيفية
وكانت الإجازة الصيفية ظرفا مناسبا لتطبيق هذا المنهاج يوميا، ويدخل
عليه عمل جديد هو المذاكرة كل صباح من طلوع الشمس تقريبًا إلى الضحوة الكبرى مع أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح في منزله، حيث بدأنا بألفية ابن مالك نحفظها ونقرأ عليها شرح ابن عقيل، ونتدارس فيها كتبا أخرى في الفقه والأصول والحديث مما كان له أكبر الأثر في تهيئة دخولي لدار العلوم، مع أنني لم أكن أفكر في دخولها حينذاك وإنما كنا نقول نطلب العلم لمجرد العلم.
نداء الصبا ح
وكان من أعمالنا بالمحمودية خلال الإجازة الصيفية أو في صباح الجمعة أن نتقاسم أحياء القرية وكنا ثلاثة أو نزيد في بعض الأحيان الأخ محمد أفندي الدمياطي والأخ عبد المتعال سنكل لنوقظ الناس لصلاة الصبح قبل الفجر بقليل وبخاصة الإخوان، منهم، وكنت أجد سعادة كبرى وارتياحًا غريبًا حين أوقظ المؤذنين لأذان الصبح، ثم أتف بعد ذلك لي هذه اللحظة السحرية الشاعرة على نبر النيل وأصغي إلى الأذان ينطلق من حناجرهم في وقت وأحد إذ كانت المساجد على مسافات متقاربة في القرية، ويخطر ببالي أنني سأكون سببا ليقظة هذا العدد من المصلين، وأن لي مثل ثوابهم مصادقة لقول الرسول ص: " من دعا إلى هدىً فله أجره، وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" وكان يضاعف هذه السعادة أن أذهب بعد ذلك إلى المسجد فأرى نفسي أصغر الجالسين فيه، في هذا الوقت سنًا، فأحمد الله وأسأله أن يديم التوفيق..
التهيؤ لدخول دار العلوم
كانت أيام مدرسة المعلمين في سنواتها الثلاث أيام استغراق في التصوف والتعبد، ولكنها مع ذلك لم تخل من إقبال على الدروس وتحصيل العلم خارج حدود المناهج المدرسية. ومرد ذلك إلى أمرين فيما أظن أولهما: مكتبة الوالد.وتشجيعه إياي على القراءة والدرس وإهدائه إياي كتبًا لا أزال أحتفظ ببعضها ومن أعمقها أثرًا في نفسي: " الأنوار المحمدية للنبهاني" و "مختصر المواهب اللدنية للقسطلاني" و "نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للشيخ الخضري" وقد كونت لي - بناء على هذا التوجيه، وما تولد منه من شغف بالمطالعة وإقبال عليها - مكتبة خاصة فيها مجلات قديمة وكتب متنوعة. وكنت وأنا في المحمودية في المدرسة الإعدادية أترقب الشيخ حسن الكتبي يوم السوق بفارغ الصبر لأستأجر كتبا بالأسبوع لقاء مليمات زهيدة ثم أردها إليه لآخذ غيرها وهكذا.