فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 272

كانت الثورة المصرية سنة 1919 م. وكنت إذ ذاك تلميذا بالإعدادية بالمحمودية في سن الثالثة عشرة. ولا زالت تتراءى أمام عيني مناظر المظاهرات،الجامعة والإضراب الشامل الذي كان ينتظم البلد كله من أوله إلى آخره، ومنظر أعيان البلد ووجهائه وهم تقدمون المظاهرات ويحملون أعلامها ويتنافسون في ذلك. ولا زلت أحفظ تلك الأناشيد العذبة التي كان يرددها المتظاهرون في قوة وحماس:

حب الأوطان من الإيمان………… وروح الله تنادينا

إن لم يجمعنا الاستقلال………… ففي الفردوس تلاقينا

ولا زلت أذكر منظر بعض الجنود الإنجليز، وقد هبطوا القرية، وعسكروا في كثير من نواحيها، واحتك بعضهم ببعض الأهالي، فأخذ يعدو خلفه بحزامه الجلدي.. حتى انفرد الوطني بالإنجليزي فأوسعه ضربًا ورده على أعقابه خاسئا وهو حسير. ولا زلت أذكر الحرس الأهلي الذي أقامه أهل القرية من أنفسهم وأخذوا يتناوبون الحراسة ليالي متعددة حتى لا يقتحم الجنود البريطانيون المنازل ويهتكوا حرمات الناس.

وكان حظنا من هذا كله كطلاب أن نضرب في بعض الأحيان، وأن نشترك في هذه المظاهرات، وأن نصغي إلى أحاديث الناس حول قضية الوطن وظروفها وتطوراتها.

ذكريات وشعر

ولا زلت أذكر يوم دخل علينا أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح - المدرس بالمعارف بالإسكندرية الآن - والدموع تترقرق في عينيه فسألناه الخبر فقال: مات اليوم "فريد بك". وأخذ يحدثنا عن سيرته، وكفاحه وجهاده في سبيل الوطن حتى أبكانا جميعًا، وأوحت إلي هذه الذكرى ببضعة أبيات لا زلت أحفظ مطلعها وشطرا آخر:

أفريد نم بالأمن والايمان ………أفريد لا تجزع عل الأوطان

أفريد تفديك البلاد بأسرها

ولا زلت أذكر أحاديث الناس حول لجنة ملنر وإجماع الأمة على مقاطعتها، وكيف كان هذا الشعور فياضًا غامرًا حتى إنه يدفع بتلميذ في الثالثة عشرة إلى أن يقول في قصيدة طويلة لا أذكر منها إلا هذين البيتين:

يا ملنر ارجع ثم سل…… …وفدا بباريس أقام

وارجع لقومك قل لهم … …لا تخدعوهم يا لئام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت